الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ ) الآية [ ٩٦ ].
قال ابن عباس(١) : " جبرائيل(٢) ومكائيل مثل عبد الله وعبد الرحمان " (٣).
قال عكرمة : " جبر " (٤) و " ميك " و " إسراف " (٥) [ عبد و " إيل " : الله عز وجل ](٦).
ومعنى الآية فيما قال ابن(٧) عباس : " إن عصابة من اليهود سألوا النبي [ عليه السلام ](٨) عن مسائل، منها أن قالوا : أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وعن الذكر والأنثى، وقالوا أخبرنا من هذا النبي الأمي في التوراة ؟ ومن وليُّه من الملائكة ؟ فأخذ [ عليهم النبي عليه السلام عهوداً ](٩) أنهم يؤمنون إن أخبرهم وناشدهم الله على ذلك فأخبرهم أن إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً فَنَذَرَ إِنْ عَافَاهُ(١٠) اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرَّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحُومَ الإِبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا، فَقَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللّه وَقالَ : " هَلْ تَعْلَمُونَ(١١) أَنَّ مَاءَ الرَّجُل أَبْيَضٌ غَلِيظٌ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرٌ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا عَلاَ كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشَّبَهُ(١٢) بِإِذْنِ/ اللّه عز وجل، وَإِذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ/ الوَلَدُ ذَكَراً، وَإِنْ(١٣) عَلاَ مَاءُ المَرْأَةِ/ كَانَ(١٤) أُنْثَى ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللَّه، وَقَالَ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ [ هَذَا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ ؟ ](١٥) قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ :[ قَالُوا : وَأَنْتَ(١٦) ] الآن، فَحَدِثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ وَنُجَامِعُكَ. / فَقَالَ : إِنَّ وَليِّي(١٧) جِبْرِيل وَلَمْ(١٨) يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيّاً قَطْ إِلاَّ وَهُوَ وَلِيُّهُ. قَالُوا : فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ ؛ لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ سِوَاهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ تَابَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ فَأَنْزَلَ اللهُ :( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ ) إلى ( كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ )(١٩).
وروى الشعبي(٢٠) أن عمر بن(٢١) الخطاب(٢٢) جرت بينه وبين اليهود مناظرة طويلة، فأقسم عليهم : هل تعلمون أن محمداً نبي فأقروا به. فقال(٢٣) : ولمَ أهلكتم(٢٤) أنفسكم، وأنتم تعلمون أنه نبي ؟ فقالوا(٢٥) : إنه قَرَن(٢٦) بنبوته عدونا من الملائكة وهو جبريل، ولو قرن بها ميكائيل لآمنا(٢٧) به. فسألهم عمر عن هذه العدواة فقالوا : إن جبريل ينزل بالعذاب والسخط والشدائد والغلظة، وإن ميكائيل ينزل بالرأفة والرحمة والتخفيف. فقال(٢٨) لهم عمر : وما منزلتهما عند الله ؟ قالوا : أحدهما على(٢٩) يمينه، والآخر على يساره. فقال عمر : فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما –والذي بينهما- لَعَدُوٌّ(٣٠) لمن عاداهما(٣١)، وسِلْْمٌ لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم(٣٢) عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم انصرف [ عمر عنهم، فوجد النبي [ عليه السلام ](٣٣) خارجاً من خوخة(٣٤) [ لبني فلان، فقال لعمر ](٣٥) : ألا أقرئك آيات(٣٦) نزلت قبل ؟ فقرأ عليه :( قُلْ(٣٧) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ ) إلى ( كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ). فقال عمر : وَ(٣٨) الذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك(٣٩)، فأسمع اللطيف الخبير سبقني إليك بالخبر " (٤٠).
وروي عن عمر(٤١) هذه القصة بغير هذه الألفاظ إلا أن المعنى يؤول(٤٢) إلى شيء(٤٣) واحد(٤٤).
ومعنى ما(٤٥) في هذا الحديث(٤٦) من ذكر اليمين واليسار، إنما يراد به القرب في المنزلة من الله عز وجل على التمثيل فلا يحل لأحد أن يتمثل(٤٧) في هذا، وفيما شابهه جارحة إذ ليس كمثله شيء.
قوله :( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ(٤٨) عَلَى قَلْبِكَ ) الآية [ ٩٦ ].
أي : نزل الفرقان(٤٩) من عند الله على قلب محمد، ولو قال قلبي لكان جيداً(٥٠)، والعرب/ تقول : " قل يا زيد للقوم عندي(٥١) الخبر " " وقل لهم عندك(٥٢) الخبر ". كل ذلك حسن جيد(٥٣). ولا يقرأ إلا بما في المصحف.
قوله ( لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) [ ٩٦ ] أي : لما سلف من الكتب(٥٤) والرسل(٥٥).
١ - قوله: "ابن عباس" سقط من ع٣..
٢ - في ع٢، ق: جبرال. وفي ع٣: جبريل..
٣ - انظر: جامع البيان ٢/٣٨٠..
٤ - في ع٣: خبر. وهو تصحيف..
٥ - في ق: سراب. وفي ع٢: سراف..
٦ - في ع٣: عند إيل الله سبحانه. وانظر: قول عكرمة في جامع البيان ٢/٣٩١..
٧ - في ع٣: أبو، وهو تحريف..
٨ - في ع٢: عليه وسلم، وفي ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٩ - في ع٢: النبي عليه السلام، وفي ق: النبي عليه السلام. عهود، وفي ع٣: النبي ﷺ عليهم عهود..
١٠ - في ع٣: عفاه..
١١ - سقط من ع٣..
١٢ - في ق: الشبهة..
١٣ - في ع٣: إذا..
١٤ - في ع٢، ع٣: كان الولد..
١٥ - في ع٣: هذا أن النبي الأمي تنام عينه ولا ينام قلبه..
١٦ - في ع٣: قال: أنت..
١٧ - في ع١، ح، ع، ق: ولي..
١٨ - سقط من ع٣..
١٩ - انظر: منحة المعبود ٢/١١-١٢، وسيرة ابن هشام ٢/١٩١، ومجمع الزوائد ٦/٣١٥. وأورد البخاري جزءاً منه في قصة إسلام ابن سلام. انظر: صحيحه ٥/١٤٨..
٢٠ - هو عامر بن شراحبيل الحميري، أبو عمرو الكوفي، حافظ فقيه من كبار التابعين. روى عن أبي هريرة وعائشة، وروى عنه ابن سيرين والأعمش (ت١٠٣هـ).
انظر: تذكرة الحفاظ ٧٩، وتقريب التهذيب ١/٣٨٧، والخلاصة ٢/٢٢..

٢١ - في ف: ابن. وهو خطأ..
٢٢ - في ع٣: الخطاب رضي الله عنه..
٢٣ - في ع٣: قال..
٢٤ - في ع٢: أهلكت..
٢٥ - في ع٣: فقال..
٢٦ - في ع٢: فرق. وهو تحريف..
٢٧ - في ق: لأمتنا. وهو تحريف..
٢٨ - في ع٣: قال..
٢٩ - في ع١، ح: عن..
٣٠ - في ع٢: العداء. وهو تحريف..
٣١ - في ع٣: عادهما. وهو تحريف..
٣٢ - قوله: "أن يسالم" سقط من ع٢..
٣٣ - في ع٣: عنهم عمر. فوجد النبي صلى الله عليه وسلم..
٣٤ - في ق: خرقة. وهو تحريف..
٣٥ - في ع٢: بني فلان فقال عمر..
٣٦ - في ع٢، ع٣: آية..
٣٧ - في ع٢: قال..
٣٨ - سقط من ع٣..
٣٩ - في ع٣: أخبر بك..
٤٠ - انظر: جامع البيان ٢/٣٨١-٣٨٢ وتفسير ابن كثير ١/١٣١، ولباب النقول ٢٢-٢٣، والدر المنثور ١/٢٢٣-٢٢٤..
٤١ - في ع٣: عمر رضي الله عنه..
٤٢ - في ق: يمول..
٤٣ - في ع٢، ع٣: الشيء..
٤٤ - انظر: جامع البيان ٢/٣٨٢-٣٨٥، ولباب النقول ٢٢-٢٣، وتفسير ابن كثير ١/١٣١..
٤٥ - سقط من ع٣..
٤٦ - في ق: ع٣: هذه. وهو خطأ..
٤٧ - في ع٣: يمثل..
٤٨ - في ع٢: نزل. وهو تحريف..
٤٩ - في ح: القرآن..
٥٠ - في ع١: جيد..
٥١ - في ع٣: عند..
٥٢ - في ع٢: عند. وفي ع٣: عندي..
٥٣ - انظر: معاني الفراء ١/٦٣، وجامع البيان ٢/٣٨٨..
٥٤ - في ق: الكتاب..
٥٥ - وهو معنى قول ابن عباس: انظر: جامع البيان ٢/٣٩٢-٣٩٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى