اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لقوله تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾، هذه قراءة العامة، وخط المصحف. وقرأ عبد الله بن مسعود(١) - رضي الله عنه - :«لَمْ يكُن المُشْركُونَ وأهْلُ الكِتابِ منفكين » وهذه قراءة على التفسير.
قال ابن العربي :«وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد قرأ النبي ﷺ في رواية الصحيح «فَطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدَّتهِنَّ » وهو تفسيرٌ، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف ».
وقرئ :«والمُشرِكُون »(٢) بالواو نسقاً على «الَّذينَ كَفَرُوا ».
قوله :﴿مُنفَكِّينَ﴾ اسم فاعل من «انفكَ »، وهي هنا التامة، فلذلك لم تحتج إلى خبر.
وزعم بعضهم : أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره : منفكّين عارفين محمداً ﷺ.
قال أبو حيان(٣) : وحذف خبر «كَانَ » لا يجوز اقتصاراً، ولا اختصاراً.
وجعلوا قوله :[ الكامل ]
٥٢٦٣ب-. . .يَبْغِي جِوَاركَ حَيْثُ لَيْسَ مُجِيرُ(٤)
أي : في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال : صار الخبر مطلوباً من جهتين : من جهة كونه مخبراً به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه منصوباً بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصاراً، وأما الاقتصار ففيه خلاف وتفصيل وتقدم ذكره.
وقوله :﴿حتى تَأْتِيَهُمُ﴾ متعلق ب «لَمْ يَكُنْ » أو ب «مُنفكِّينَ ».

فصل


قال الواحديُّ : هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، ولم يبين كيفية الإشكال، قال ابن الخطيب(٥) : ووجه الإشكال أن تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء المنفكّ عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن «حتَّى » لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ﷺ، لكن قوله تعالى :﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول - عليه الصلاة والسلام - فحينئذ يحصل التناقض، والجواب من وجوه :
أحدها : وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشريُّ(٦) : أن الأول حكاية ما كانوا يقولونه من أنه ﷺ الموعود به لا ننفك عما نحن عليه من ديننا.
والثاني : إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتِّفاق على الحق إذا جاءهم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان خلافاً لما ادعوا.
وثالثها : المعنى : لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله القاضي. إلا أن جعل «حتى » بمعنى «أن » بعيد في اللغة.
ورابعها : المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد ﷺ بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله تعالى :﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي ما تلت أي : ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
وخامسها : أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة.
وسادسها : هي كقوله تعالى :﴿كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية، أي : كان كل منهم جازماً بمذهبه ودينه، فلما بعث محمد ﷺ شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى ﴿مُنفَكِّينَ﴾ مشعر بهذا ؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة.

فصل في المراد بأهل الكتاب هنا


قال ابن عباس : أهل الكتاب الذين كانوا ب «يثرب »، وهم : قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا ب «مكة » وما حولها، و «المدينة »، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى :﴿مُنفَكِّينَ﴾ أي : منتهين من كفرهم ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم(٧).
وقيل : لانتهاء بلوغ الغاية، أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل : منفكين زائلين إذ لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول الله ﷺ، والعرب تقول : ما انفككت أفعل كذا، أي ما زلت، وما انفك فلان قائماً، أي : ما زال قائماً.
وأصل الفك للفتح، ومنه : فك الكتاب، وفك الخلخال.
وقيل :«مُنفكِّينَ »، بارحين، أي : لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة.
وقال ابن كيسان : أي : لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد ﷺ - ويسمونه الأمين في كتابهم - حتى بعث، فلما بعث ﷺ حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى :﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، ولهذا قال تعالى :﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [البينة: ٤]، وعلى هذا فقوله تعالى :﴿والمشركين﴾ أي : ما كانوا يسيئون القول في محمد ﷺ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم ﷺ فحينئذ عادوه.
وقال بعض اللغويين :«مُنفكِّينَ »، أي : هالكين، من قولهم : انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى : لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

فصل في المراد بالمشركين


قال قوم : المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال : عزير ابن الله، ومن النصارى من قال : عيسى هو الله. ومنهم من قال : هو ابنه. ومنهم من قال : هو ثالث ثلاثة، وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ولا بواب له، وهو سبحانه وتعالى كما قال في كتابه المنزل على نبيه ﷺ :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [ الإخلاص ١-٤ ].
وقيل : المشركون وصف لأهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو كقولك : جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواماً بعينهم تصفهم بالأمرين، قال تعالى :﴿الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: ١١٢]، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل الكتاب المشركين.
[ وقيل : أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا.
وقيل : الكفر هنا هو الكفر بمحمد ﷺ، أي : لم يكن الذين كفروا بمحمد ﷺ من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم - وهم الذين ليس لهم كتاب - منفكين.
قال القشيريُّ : وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى :﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة رَسُولٌ مِّنَ الله﴾ أنّ هذا الرسول هو محمد ﷺ.
فيبعد أن يقال : لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد ﷺ منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله ﷺ، إلا أن يقال : أراد لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد ﷺ وقد كانوا من قبل معظمين له، منتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمداً ﷺ، ويبين لهم الآيات، فحينئذٍ يؤمن قوم ](٨).
وقرأ الأعمش وإبراهيم(٩) :«والمُشْرِكُونَ » رفعاً عطفاً على «الَّذِينَ كَفرُوا ».
قال القرطبيُّ(١٠) :«والقراءة الأولى أبين ؛ لأن الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب ».
وفي حرف أبيّ(١١) :«فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين ».
قال ابن الخطيب : فإن قيل : لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر المشركين باسم الفاعل ؟ فالجوابُ : أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر ؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد ﷺ بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادةِ الأوثان، وذلك يدل على الثبات على الكفر.
قوله :﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾.
قيل : البينة، محمد ﷺ ؛ لأنه في نفسه بينة وحُجَّة، ولذلك سمَّاه الله - تعالى - سراجاً منيراً.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٠٧، والقرطبي ٢٠/٩٥..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٠٧، والبحر المحيط ٨/٤٩٤، والدر المصون ٦/٥٥١..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٤٩٥..
٤ تقدم..
٥ الفخر الرازي ٣٢/٣٧..
٦ ينظر: الكشاف ٤/٤/٧٨٢..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٩٥)..
٨ سقط من: ب..
٩ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/٩٦..
١٠ ينظر السابق..
١١ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/٩٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى