محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة البينة في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٠ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة البينة

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ * رَسُولٌ مّنَ اللّهِ يَتْلُو صُحُفاً مّطَهّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ * وَمَا تَفَرّقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَةُ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُوا منْ أهل الْكِتابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكّينَ حتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ﴾ فقال بعضهم : معنى ذلك : لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان منفكين، يقول : منتهين، حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿مُنْفَكّينَ﴾ قال : لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحقّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله :﴿مُنْفَكّينَ﴾ قال : منتهين عما هم فيه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُنْفَكّينَ حَتَى تأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ﴾ : أي هذا القرآن.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله :﴿وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكّينَ﴾ قال : لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم ذلك المنفَكّ.
وقال آخرون : بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال : معنى ذلك : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيّنة، وهي إرسال الله إياه رسولاً إلى خلقه، رسول من الله.
وقوله :﴿مُنْفَكّينَ﴾ في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر، ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماما له، واستؤنف قوله ﴿رَسُولٌ مِنَ اللّهِ﴾ وهي نكرة على البيّنة، وهي معرفة، كما قيل :﴿ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ﴾ فقال : حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثه الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيّنة، فقال : تلك البينة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللّهِ يَتْلُو صُحُفا مُطَهّرَةً﴾ يقول : يقرأ صحفا مطهرة من الباطل ﴿فِيها كُتُبٌ قَيّمَةٌ﴾ يقول : في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللّهِ يَتْلُو صُحُفا مُطَهّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان (مُنْفَكِّينَ) يقول: منتهين حتى يأتيهم هذا القرآن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (مُنْفَكِّينَ) قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحق.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله (مُنْفَكِّينَ) قال: منتهين عما هم فيه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) أي هذا القرآن.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله:

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
أما أهل الكتاب فهم : اليهود والنصارى، والمشركون : عَبَدةُ الأوثان والنيران، من العرب ومن العجم. وقال مجاهد : لم يكونوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني : منتهين حتى يتبين لهم الحق. وكذا قال قتادة.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي : هذا القرآن ؛ ولهذا قال تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ، حَدَّثَنِي فُضَيل، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " فَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ (١) لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى".
حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ نَظير الْمُزَنِيِّ -أَوْ: الْمَدَنِيِّ -عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " وَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى" (٢).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾
أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ: عَبَدةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُونُوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يَعْنِي: مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٣ -١٦].
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قِيمَةٌ: عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله:
(١) في م: "لأملأن"، وفي أ: "لأمكنن".
(٢) أسد الغابة لابن الأثير (٤/٥٤٩) وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٥٢٨) من طريق أبي موسى، وهي من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن الزهري به، وقال: "عبد الله بن سلمة واهي الحديث".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١ - ٨ } ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾
يقول تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي :[ من ] اليهود والنصارى ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ من سائر أصناف الأمم.
﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه، أي : لا يزالون في غيهم وضلالهم، لا يزيدهم مرور السنين(١)  إلا كفرًا.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الواضحة، والبرهان الساطع،
١ - في ب: الأوقات..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٨} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
يقول تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: [من] اليهود والنصارى ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ من سائر أصناف الأمم.
﴿مُنْفَكِّينَ﴾ عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه، أي: لا يزالون في غيهم وضلالهم، لا يزيدهم مرور السنين (١) إلا كفرًا.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الواضحة، والبرهان الساطع، ثم فسر تلك البينة فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أرسله الله، يدعو الناس إلى الحق، وأنزل عليه كتابًا يتلوه، ليعلم الناس الحكمة ويزكيهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ولهذا قال: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ أي: محفوظة عن قربان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون، لأنها في أعلى ما يكون من الكلام.
ولهذا قال عنها: ﴿فِيهَا﴾ أي: في تلك الصحف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: أخبار صادقة، وأوامر عادلة تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، فإذا جاءتهم هذه البينة، فحينئذ يتبين طالب الحق ممن ليس له مقصد في طلبه، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول وينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابًا ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم، لم يزدهم الهدى إلا ضلالا ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد، ودين واحد فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: -[٩٣٢]- قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي: معرضين [مائلين] عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد. وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين.
﴿وَذَلِكَ﴾ أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم.
ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما جاءتهم البينة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ قد أحاط بهم عذابها، واشتد عليهم عقابها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يفتر عنهم العذاب، وهم فيها مبلسون، ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وخسروا الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة.
(١) في ب: الأوقات.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
مُنفَكِّينَ
تَارِكِينَ كُفْرَهُمْ.
الْبَيِّنَةُ
العَلَامَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِهَا فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ.

إعراب الآية ١ من سورة البينة

من كتاب: إعراب القرآن

٩٨ شرح إعراب سورة لم يكن (البيّنة)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة البينة (٩٨) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)
يَكُنِ في موضع جزم بلم، وعلامة الجزم فيه حذف الضمة من النون وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. فإن قيل: قد تحرّكت النون فلم لأردت الواو؟ فالجواب أنها حركة عارضة، غير ثابتة فكأنها لم يكن ولا تعرّج على قول من قال: حذفت الواو والضمة للجزم، ولا يجوز عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء. حذف النون على لغة من قال:
لم يك زيد جالسا لأنها قد تحرّكت وأجاز غيرهم حذفها كما قال: [الطويل] ٥٨١- ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل «١» وَالْمُشْرِكِينَ عطف على أهل، ولو كان عطفا على الذين لكان مرفوعا مُنْفَكِّينَ خبر يكن في معناه قولان: قال عطاء: منفكين بارحين، وبرح وزال في منهاج واحد.
وقال غيره: «منفكّين» متفرّقين. قال أبو جعفر: معنى القول الأول: لم يكن الكفار زائلين عما هم عليه حتى يجيئهم الرسول فيبيّن لهم ضلالتهم، ومعنى القول الثاني: لم يكن الكفار متفرّقين إلا من بعد أن جاءهم الرسول لأنهم فارقوا ما عندهم من صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم فكفروا بعد البيان. وهذا القول في العربية أولى لأن منفكّين لو كان بمعنى زائلين لاحتاج إلى خبر ولكن يكون من انفكّ الشيء من الشيء أي فارقه، كما قال ذو الرمّة: [الطويل] ٥٨٢-
قلائص ما تنفكّ إلّا مناخةعلى الخسف أو يرمي بها بلدا قفرا «٢»
(١) مرّ الشاهد رقم (٥٥).
(٢) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ١٧٣، والكتاب ٣/ ٥٢، وتخليص الشواهد ٢٧٠، وخزانة الأدب ٩/ ٢٤٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٢١٩، ولسان العرب (فكك)، والمحتسب ١/ ٣٢٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٠، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٤٢، والأشباه والنظائر ٥/ ١٧٣، والجنى الداني ٥٢١، وشرح الأشموني ١/ ١٢١، ومغني اللبيب ١/ ٧٣ وهمع الهوامع ١/ ٢٣٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٠ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٨ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾، قال: مُنتَهين عما هم فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٧٨، وابن جرير ٢٤‏/‏٥٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾، يعني: مُنتَهين عن الكفر والشّرك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٧٩.
٣
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾، قال: لم يكونوا مُنتَهين حتى يأتيهم؛ ذلك المنفك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٨/٦٦٢) «قوله تعالى: ﴿منفكين﴾ معناه: منفصلين متفرِّقين، تقول: انفك الشيء عن الشيء؛ إذا انفصل عنه، و»ما انفك«التي هي من أخوات» كان«لا مدخل لها في هذه الآية». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٤/٥٥٢). وقد أفادت الآثار أنّ المعنى: لم يكن الكفار من أهل التوراة والإنجيل والمشركون من عبدة الأوثان مُنتَهين عما هم فيه من الكفر والضلال حتى تأتيهم البينة. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤/٥٥١) هذا المعنى، ثم قال: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». ثم أورد الآثار الواردة هنا، ولم ينسب للسلف غيره. ووجَّه ابنُ عطية الفعل في ﴿تأتيهم البينة﴾ أنه من إيقاع المستقبل موقع الماضي «لأنّ باقي الشريعة وعظمها لم يرد بعد». وذكر ابنُ جرير (٢٤/٥٥٢) قولًا ثانيًا، وأبهم قائليه، وهو أنّ المعنى: أنّ أهل الكتاب -وهم المشركون- لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. ورجّحه مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد حتى تأتيهم البينةُ، -وهي إرسال الله إياه رسولًا إلى خَلْقه- رسولٌ من الله... ، واسْتُؤْنِفَ قولُه: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي نَكِرَةٌ على البَيِّنَة، وهي معرفَةٌ، كما قيل: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ﴾ [البروج:١٦]، فقال: حتّى يَأْتيهم بَيانُ أمْر محمد أنّه رسول الله، بِبَعْثه اللهُ إيّاه إلَيهِم، ثُمَّ تَرْجَمَ عَنِ البَيِّنَةِ، فقال: تلك البَيِّنَة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾». وذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٢-٦٦٣) القولين، ثم بيّن احتمال الآية قولًا ثالثًا، فقال: «ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم مُنفكِّين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يَبعث إليهم رسولًا منذرًا تقوم عليهم به الحجة، وتتم على مَن آمن النعمة. فكأنه قال: ما كانوا ليُتركوا سُدًى. ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧/١٥٠) الأقوال الثلاثة وأطال، فبيَّن أنّ القول الأول أشهر عند المفسرين، وأنه أفاد أنّ الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليؤمنوا حتى يتبين لهم الحق بمجيء البينة، وهذا يتضمّن مدْحهم والثناء عليهم بعد مجيء البينة: «ولهذا احتاج مَن قاله إلى أن يقول: هذا فيمن آمن من الفريقين في أنه بيان لنعمة الله عليهم. وجعلوا قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب﴾ [البينة:٤] فيمن لم يؤمن منهم بمحمد ﷺ». وانتقد ابنُ تيمية (٧/١٥٤-١٥٦) هذا القول -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والواقع- «وذلك أنه معلوم بالتواتر أنّ أهل الكتاب اختلفوا وتفرقوا قبل إرسال محمد ﷺ، بل اليهود افترقوا قبل مجيء المسيح، ثم لما جاء المسيح اختلفوا فيه، ثم اختلف النصارى اختلافًا آخر، فكيف يقال: إنّ قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤] هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم؟!». وذكر كثيرًا من الآيات والأحاديث الدالة على تفرّق أهل الكتاب واختلافهم قبل مبعث النبي ﷺ من نحو قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية:١٦-١٨]، ومن نحو قوله ﷺ: «تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة...» الحديث. وذكر أيضًا أنّ الذين كفروا بمحمد ﷺ كفار، وأنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾، وهم تفرّقوا واختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد ﷺ، وكفَرَ مَن كَفَر منهم قبل إرسال محمد ﷺ، وكان منهم من لم يكفر بل كان مؤمنًا بالأنبياء كما قال تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ [الأعراف:١٥٩]، ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك﴾ [الأعراف:١٦٨]، وقال تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ [آل عمران:١١٣-١١٤]. وانتقد (٧/١٥٣) كذلك القول الثاني -مستندًا إلى أحوال النزول، واللغة، والدلالة العقلية- وذلك أنه «معلوم أنّ المشركين لم يكونوا يعرفونه ﷺ ويذكرونه ويجدونه في كتبهم كما كان ذلك عند أهل الكتاب، ولا كانوا قبل مبْعثه على دين واحد متّفقين عليه فلما جاء تفرّقوا... ، ولا يستقيم هذا أيضًا في أهل الكتاب، فإنّ الله إنما ذكر الكفار منهم، فقال: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾، ومعلوم أنّ الذين كانوا يعرفون نبوته ويُقِرُّون به ويذكرونه قبل أن يُبعث لم يكونوا كلّهم كفارًا، بل كان الإيمان أغلب عليهم. يبيّن هذا أنه إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة فإنه يعمّهم، فيقول: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤]. وأنه لا يقول: كان الكفار من أهل الكتاب متّفقين على الحق حتى جاءتهم البينة. وأيضًا فتسمية الافتراق والاختلاف انفكاكًا لا يُعرَف في اللغة، وأيضًا فهو لم يذكر لـ﴿منفكين﴾ خبرًا كما يقال: ما انفكوا يذكرون محمدًا، وما زالوا يؤمنون به ونحو ذلك. وهذه التي هي من أخوات»كان«لا يقال فيها: ما كنت منفكًًّا. بل يقال: ما انفككت أفعل كذا. فهو يلي حرف»ما"". وأيضًا فليس في اللفظ ما يدل على أنّ الانفكاك عن أمر محمد ﷺ خاصة. وأيضًا فهذا المعنى مذكور في قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤]، فلو أريد بهذه لكان تكريرًا محضًا. ورجّح (٧/١٥٧-١٦٤) بعد ذلك -مستندًا إلى اللغة، والنظائر، والدلالة العقلية- القول الثالث الذي ذكره ابن عطية، وذكر أنه أصح الأقوال لفظًا ومعنًى، وأنّ معنى الآية عليه: أنّ الله ما يخلِّيهم ولا يتركهم، فهو لا يفكّهم حتى يبعث إليهم رسولًا. وهذا كقوله: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة:٣٦] لا يؤمر ولا ينهى. أي: أيظن أنّ هذا يكون؟! هذا ما لا يكون ألبتة؛ بل لابد أن يؤمر ويُنهى. وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين﴾ [الزخرف:٣-٥]، وهذا استفهام إنكار، أي: لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر ونُعرض عن إرسال الرسل؟! واستدل لترجيحه بعدة مرجِّحات، منها دلالة لفظ الانفكاك، فإنه مستعمل فيما يُلزَم به الإنسان ويُقهَر عليه إذا تخلّص منه، يقال: انفك منه كالأسير والرقيق المقهور بالرق والأسر... ويقال: فلان ما يفكّ فلانًا حتى يوقعه في كذا وكذا، والمتولي لا يفكّ هذا حتى يفعل كذا، يقال لمن لزم غيره واستولى عليه إما بقدرة وقهر، وإما بتحسين وتزيين وأسباب حتى يصير بها مطيعًا له. يقال للمستولى عليه: هو ما ينفكّ من هذا كما لا ينفكّ الأسير والرقيق من المستولى عليه. فقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ أي: لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه، لا حَجْر عليهم، كما أنّ المنفكّ لا حَجْر عليه. وهو لم يقل «مفكوكين» بل قال: ﴿منفكين﴾، وهذا أحسن؛ فإنه نفي لفعلهم، ولو قال: «مفكوكين» كان التقدير: لم يكونوا مُسيَّبين مُخلّين فهو نفي لفعل غيرهم. والمقصود: أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، بل يفعلون ما شاؤوا مما تهواه الأنفس. ومن المرجّحات أيضًا: أنّ «حتى» حرف غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة:٢٣٠] ونظائر ذلك، فلو أريد أنهم لم يكونوا مُنتَهين ويؤمنون حتى يتبيّن لهم الحق لزم أن يكونوا كلهم بعد مجيء البيّنة قد انتهوا وآمنوا؛ فإنّ اللفظ عام فيهم. وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متّفقين على تصديق الرسول حتى بُعث لزم أن يكونوا كلّهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم، وأنهم كلّهم بعد إرساله تفرّقوا واختلفوا. وكلاهما باطل؛ فكثير منهم أُمِّيُّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولم يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعْثه ومن أمور أُخَر، ولما بُعث فقد آمن به خَلْق كثير منهم، ولم يتفرقوا كلّهم عن الإيمان به، وحينئذ فالآية لم تتضمّن مدحهم مطلقًا كما ظن من ظن أن معناها: أنهم لم ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبيّن لهم الحق. ولا تتضمّن ذمهم مطلقًا كما ظن من ظن أنهم لما جاءهم الرسول تفرّقوا واختلفوا بعد ما كانوا متّفقين على التصديق؛ بل تضمنّتْ مدح مَن آمن منهم بالرسول، وذم مَن لم يؤمن، والإخبار أنه لابد من إرسال الرسول إليهم فيؤمن به بعضهم، ويكفر بعض، قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة:٢٥٣]. ثم بيَّن أنّ الآية يمكن أن تتضمّن بعد ذلك القول الأول، فقال: «إذا قيل: إنّ الآية تتضمّن بعد ذلك المعنى الآخر، وهو أنهم لم يكونوا ليهتدوا ويعرفوا الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البيّنة، إذ لا طريق لهم إلى معرفة الحق إلا برسول يأتي من الله أيضًا؛ أولم يكونوا مُنتَهين مُتَّعظين وإنْ عرفوا الحق حتى يأتيهم من الله مَن يُذكرهم؛ فهذا المعنى لا يناقض ذاك».
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾: أي: هذا القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٥٢. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ محمد ﷺ، فبيّن لهم ضلالتهم وشركهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٧٩.
٦
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَة﴾، قال: محمد١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾، قال: بَرِحِين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿مُنْفَكِّينَ﴾، قال: مُنتَهين، لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبيَّن لهم الحق١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٧٤١، وأخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٥١. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

نزول الآية

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ أهل الكتاب قالوا: متى يُبعث الذي نجده في كتابنا؟ وقالت العرب: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٨-١٦٩]. فنزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٧٩.

تفسير الآية

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ يعني: مشركي العرب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٧٩.
التفسير بالمأثور لسورة البينة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة البينة

٧ وقفات في هذه الآية

  • قال صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب:إن الله أمرني أن أقرأ عليك (لم يكن الذين كفروا) قال أبي: وسماني لك؟ قال: نعم. فبكى أبي. متفق عليه

    — محمد السريع

  • حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ......... البينة: الرسول والنص والوحي، لا مقدمات أرسطو، ولا استقراء بيكون.

    — عبدالله بلقاسم

  • قدم ذكر أهل الكتاب علي ذكر المشركين ؛ لأنهم أهل علم ومعرفة , والحجة عليهم أشد والفتنة بكفرهم أعظم .

    — مصحف تدبر المفصل

  • خطأ العالم أولي بالمذمة من خطأ الجاهل ؛ لأنه أقدر منه علي تبين الحق وميزه من الباطل , وهو لغيره قدوة وأسوة .

    — مصحف تدبر المفصل

  • {حتى تأتيهم البينة. رسول من الله} تأمل هذا الوصف البليغ للنبي صلى الله عليه وسلم بالبينة لبيان خطابه ورسالته وشريعته وهديه

    — محمد الربيعة

  • حتى "تأتيهم البيّنة" سمّاها بذلك حتى لا يحتجوا بعدم وضوحها فهم أهل تعنّت فقد سألوا عن البقرة بحجة عدم وضوحها لهم

    — مجالس التدبر

  • المتشابه فيها إعادة البينة والبرية مرتين وقد سبق ..

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

ترجمات معاني الآية ١ من سورة البينة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) Those who disbelieved among the People of the Scripture and the polytheists were not to be parted [from misbelief][1958] until there came to them clear evidence
[1958]- i.e., from their erroneous beliefs and superstitions.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال