التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
" مِنْ " فى قوله - تعالى - ﴿مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ للبيان، وقوله - سبحانه - ﴿مُنفَكِّينَ﴾ : للعلماء فى معنى هذا اللفظ أقوال متعددة، منها : أنه اسم فاعل من انفك بمعنى انفصل، يقال : فككت الشيء فانفك إذا افترق ما كان ملتحما منه.
والبينة : الحجة الظاهرة التى يتميز بها الحق من الباطل، وأصلها من البيان بمعنى الظهور والوضوح، لأن بها تتضح الأمور، أو من البينونة بمعنى الانفصال، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما.
والمراد بها هنا : رسول الله ﷺ، لقوله - تعالى - بعد ذلك :﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾، ولأنه ﷺ كان فى ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة، لتحليه بكمال العقل وبمكارم الأخلاق، ولإِتيانه بالمعجزات التى تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن ربه.
والمعنى : لم يكن الذين كفورا من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ولم يكن - أيضاً - الذين كذبوا الحق من المشركين، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم، ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ التى هي الرسول ﷺ، فلما أتتهم هذه البينة، منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " كان الكفار من الفريقين، أهل الكتاب، وعبدة الأصنام، يقولون قبل مبعث النبى ﷺ : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبى المكتوب فى التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ، فحكى الله - تعالى - ما كانوا يقولونه، ثم قال :﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾، يعنى أنهم كانوا يَعِدُون باجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق، إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أقرهم على الكفر، إلا مجيء الرسول ﷺ، ونظيره فى الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقني الله - تعالى - الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا، فيقول له واعظه : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك فى الفسق إلا بعد اليسار، يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما.
وانفكاك الشيء من الشيء أن يزايله بعد التحامه به. كالعظم إذا انفك من مفصله.
والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة.
ومنهم من يرى : أن ﴿مُنفَكِّينَ﴾ بمعنى متروكين، لا بمعنى تاركين، أي : لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك، حتى تأتيهم البينة، على معنى قوله - تعالى - :﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ أو المعنى : لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله - تعالى - وقدرته ونظره لهم، حتى يبعث الله - تعالى - إليهم رسولا منذرا، تقوم عليهم به الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكأنه - تعالى - قال : ما كانوا ليتركوا سدى.
وهناك أقوال أخرى فى معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها.
وقد قدم الله - تعالى - ذكر أهل الكتاب فى البيان، لأن كفرهم أشنع وأقبح. إذ كانوا يقرأون الكتب، ويعرفون أوصاف النبى ﷺ، فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأتم. وفي التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى، تسجيل للغفلة وسوء النية عليهم. حيث علموا الكتاب، وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله - تعالى - لهدايتهم، ومع ذلك كفروا به، كما قال - تعالى - :﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى