فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
المراد ب ﴿الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ اليهود والنصارى، ﴿و﴾ المراد ب ﴿المشركين﴾ مشركو العرب، وهم عبدة الأوثان، و ﴿مُنفَكّينَ﴾ خبر كان، يقال فككت الشيء فانفك، أي انفصل، والمعنى : أنهم لم يكونوا مفارقين لكفرهم ولا منتهين عنه ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ البينة﴾ وقيل : الانفكاك بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية : أي لم يكونوا يبلغون نهاية أعمارهم، فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل : منفكين زائلين : أي لم تكن مدّتهم لتزول حتى تأتيهم البينة، يقال ما انفك فلان قائماً : أي ما زال قائماً، وأصل الفكّ الفتح. ومنه فكّ الخلخال. وقيل : منفكين بارحين : أي لم يكونوا ليبرحوا أو يفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان : المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد ﷺ حتى بعث. فلما بعث حسدوه وجحدوه، وهو كقوله :﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعلى هذا فيكون قوله :﴿والمشركين﴾ أنهم ما كانوا يسيئون القول في محمد ﷺ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه «الأمين »، فلما بعث عادوه وأساءوا القول فيه. وقيل :﴿مُنفَكّينَ﴾ هالكين. من قولهم : انفكّ صلبه : أي انفصل. فلم يلتئم فيهلك، والمعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلاّ بعد قيام الحجة عليهم. وقيل : إن المشركين هم أهل الكتاب، فيكون وصفاً لم لأنهم قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله. قال الواحدي : ومعنى الآية : إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم، وشركهم بالله حتى أتاهم محمد ﷺ بالقرآن، فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان، وهذا بيان عن النعمة والإنقاذ به من الجهل والضلالة والآية فيمن آمن من الفريقين. قال : وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقاً لا تفضي بهم إلى الصواب. والوجه ما أخبرتك فاحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال. قال : ويدلّ على أن البينة محمد ﷺ أنه فسرها وأبدل منها فقال :﴿رَسُولٌ مّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿مُنفَكّينَ﴾ قال : برحين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية﴾. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :«قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله ؟ قال :«يا عائشة أما تقرئين :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية﴾». وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال :«كنا عند النبيّ ﷺ، فأقبل عليّ، فقال النبيّ ﷺ : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية﴾ فكان أصحاب محمد ﷺ إذا أقبل قالوا : قد جاء خير البرية». وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً «علي خير البرية». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال :«لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية﴾ قال رسول الله ﷺ لعليّ :«هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين». وأخرج ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«ألا أخبركم بخير البرية ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بشرّ البرية ؟ قالوا بلى، قال : الذي يسأل بالله ولا يعطي به» قال أحمد : حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ. فذكره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى