تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية١ : قوله تعالى :﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾ ذكر في حق أهل الكتاب ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ بحرف ﴿ومن﴾ وهو للتبعيض، ولم يقل أهل الكتاب، وذكر في حق أهل الشرك(١) والمشركين ؛ لأن أهل الكتاب كانوا فرقا :
منهم من كان آمن برسول الله /٦٤٩ ب/ ﷺ قبل أن يبعث، فلما بعث آمن به، ولزم الإيمان.
ومنهم من كان كافرا به، فلما بعث، وأرسل لزم الكفر به، ولم يؤمن.
فلما كانوا أصنافا وفرقا لذلك قال :﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ بحرف ﴿من﴾.
وأما المشركون فإنهم كانوا صنفا واحدا، ثم لم يبين بأنهم إذا أتاهم البينة ينفكون أو لا.
وجائز أن يكون قوله تعالى :﴿لم يكن﴾ إلى قوله ﴿حتى تأتيهم البينة﴾ أي لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفرة ؛ لأنه عطف المشركين على أهل الكتاب، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر عمرهم، وإن أتتهم البينة.
والبينة، هي ما ( في )(٢) خلقة كل أحد مما يدل على ألوهيته ووحدانيته. ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة، وهي معاينة العذاب عند الموت، كقوله تعالى :﴿فلما رأوا بأسنا﴾ ( غافر : ٨٤ ) ونحو ذلك.
وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين، وفي حرف أبي : ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين.
ثم اختلف في قوله تعالى :﴿منفكين﴾ قال بعضهم :﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ خارجين من الدنيا ﴿حتى تأتيهم البينة﴾.
ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم، قال بعضهم : البينة رسول الله ﷺ لما(٣) قال على إثره ﴿رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة﴾ ( الآية : ٢ ) وقال بعضهم : ما جاء به محمد رسول الله ﷺ من الحجج.
فمن جعل قوله :﴿منفكين﴾ منتهين زائلين يجعل البينة رسول الله ﷺ ؛ سمي لأنه به يعرف كل خير وكل إحسان، وبه يبين الحق والباطل، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش، وكذلك القرآن، جاء به.
ومن قال :﴿منفكين﴾ خارجين من الدنيا يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم العذاب معاينة جهرا، كقوله تعالى :﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ ( النساء : ١٥٩ ) أي خارجين من الدنيا حتى يعاينوا(٤) العذاب، فعند ذلك يؤمنون.
١ في الأصل وم: الكتاب.
٢ من م،/ ساقطة من الأصل.
٣ في الأصل وم: حيث.
٤ في الأصل وم: يعلموا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى