البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿إن الذين يبايعونك﴾ : هي بيعة الرضوان وبيعة الشجرة، حين أخذ الرسول ﷺ الأهبة لقتال قريش، حين أرجف بقتل عثمان بن عفان، فقد بعثه إلى قريش يعلمهم أنه جاء معتمراً لا محارباً، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، بايعهم على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، ولذلك قال سلمة بن الأكوع وغيره : بايعنا على الموت.
وقال ابن عمر، وجابر : على أن لا نفر.
والمبايعة : مفاعلة من البيع، ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ وبقي اسم البيعة بعد على معاهدة الخلفاء والملوك.
﴿إنما يبايعون الله﴾ أي صفقتهم، إنما يمضيها ويمنح الثمن الله عز وجل.
وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب : إنما يبايعون لله، أي لأجل الله ولوجهه ؛ والمفعول محذوف، أي إنما يبايعونك لله.
﴿يد الله فوق أيديهم﴾.
قال الجمهور : اليد هنا النعمة، أي نعمة الله في هذه المبايعة، لما يستقبل من محاسنها، فوق أيديهم التي مدوها لبيعتك.
وقيل : قوة الله فوق قواهم في نصرك ونصرهم.
وقال الزمخشري : لما قال :﴿إنما يبايعون الله﴾، أكد تأكيداً على طريقة التخييل فقال :﴿يد الله فوق أيديهم﴾، يريد أن يد رسول الله ﷺ التي تعلو يدي المبايعين، هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام.
وإنما المعنى : تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ و ﴿من نكث فإنما ينكث على نفسه﴾، فلا يعود ضرر نكثه إلا على نفسه. انتهى.
وقرأ زيد بن علي : ينكث، بكسر الكاف.
وقال جابر بن عبد الله : ما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم فحرم.
وقرأ الجمهور :﴿عليه الله﴾ : بنصب الهاء.
وقرىء : بما عهد ثلاثياً.
وقرأ الحميدي :﴿فسيؤتيه﴾ ؛ بالياء ؛ والحرميان، وابن عامر، وزيد بن علي : بالنون.
﴿أجراً عظيماً﴾ : وهي الجنة، وأوفى لغة تهامه

تفسير هذه الآية من كتب أخرى