تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال تعالى لرسوله ﷺ تشريفا له وتعظيما وتكريما :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كقوله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي : هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله ﷺ كقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
وقد قال(١) ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله " (٢).
وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ في الحجر :" والله ليبعثه الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق، به ويشهد على من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله "، ثم قرأ :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣).
ولهذا قال هاهنا :﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي : إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي : ثوابًا جزيلا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سَمُر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل : ألف وثلثمائة. وقيل : أربعمائة. وقيل : وخمسمائة. والأوسط(٤) أصح.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك :
قال البخاري : حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة.
ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، به(٥). وأخرجاه أيضا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال : كنا يومئذ ألفا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فنبع الماء من بين أصابعه، حتى رووا كلهم (٦).
وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهما من كنانته، فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم، فقيل لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : كنا ألفا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا(٧). وفي رواية [ في ] (٨) الصحيحين عن جابر : أنهم كانوا خمس عشرة مائة(٩).
وروى البخاري من حديث قتادة، قلت لسعيد بن المسيب : كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان ؟ قال : خمس عشرة مائة.
قلت : فإن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال : كانوا أربع عشرة مائة. قال رحمه الله : وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة (١٠).
قال البيهقي : هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول : خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال : أربع عشرة مائة(١١).
وروى العوفي عن ابن عباس : أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. والمشهور الذي رواه غير واحد عنه : أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين، عن شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال : كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفا وأربعمائة(١٢). وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع، ومعقل بن يسار، والبراء بن عازب. وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول : كان أصحاب الشجرة ألفا وأربعمائة، وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين(١٣).
وروى محمد بن إسحاق في السيرة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أنهما حدثاه قالا خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني عنه يقول : كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة (١٤).
كذا قال ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة.
ذكر سبب هذه البيعة العظيمة :
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة : ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال : يا رسول الله، إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظي (١٥) عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله [ ﷺ ] (١٦) ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول ﷺ. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل.
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر : أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل :" لا نبرح حتى نناجز القوم ". ودعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله ﷺ على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول : إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر.
فبايع الناس، ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر يقول : والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي كان من أمر عثمان باطل. (١٧)
وذكر ابن لهيعة عن الأسود (١٨). عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق، وزاد في سياقه : أن قريشا بعثوا وعندهم عثمان [ بن عفان ] (١٩) سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين (٢٠) بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ، وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا أبدا، فأرعب ذلك المشركين(٢١)، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا تمتام(٢٢)، حدثنا الحسن بن بشر(٢٣)، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس(٢٤) بن مالك قال : لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان [ رضي الله عنه ] (٢٥) رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ :" اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله ". فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم(٢٦).
قال ابن هشام (٢٧) : حدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن أبي مليكة(٢٨)، عن ابن عمر قال : بايع رسول الله ﷺ لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.
وقال عبد الملك بن هشام النحوي : فذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي : أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي (٢٩).
وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي : حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي، قال : لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان [ الأسدي رضي الله عنه ] (٣٠)، فقال : ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ :" علام تبايعني ؟ ". فقال أبو سنان : على ما في نفسك. هذا أبو سنان [ بن ] (٣١) وهب الأسدي [ رضي الله عنه ](٣٢) (٣٣).
وقال البخاري : حدثنا شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد : حدثنا صخر [ بن الربيع ] (٣٤)، عن نافع، قال : إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى الفرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، فانطلق، فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر (٣٥) أسلم قبل عمر.
ثم قال البخاري : وقال هشام بن عمار : حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال - يعني عمر - : يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ. فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع.
وقد أسنده البيهقي عن أبي(٣٦) عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دحيم : حدثني الوليد بن مسلم فذكره (٣٧).
وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال : بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم عن قتيبة عنه(٣٨).
وروى مسلم عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج، عن معقل بن يسار، قال : لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس (٣٩)، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال : ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر(٤٠).
وق
١ - (١) في ت: "وروى"..
٢ - (٢) ورواه ابن مردويه كما في الجامع الصغير، ورمز له السيوطي بالضعف..
٣ - (٣) ورواه الترمذي في السنن برقم (٩٦١) من طريق قتيبة عن جرير بإسناده إلى قوله: "يشهد على من استلمه بالحق" ولم يذكر الآية، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"..
٤ - (٤) في ت: "والأول"..
٥ - (٥) صحيح البخاري برقم (٤٨٤٠) وصحيح مسلم برقم (١٨٥٦)..
٦ - (٦) صحيح البخاري برقم (٤١٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٨٥٦)..
٧ - (٧) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٦٣٩)..
٨ - (٨) زيادة من م، أ..
٩ - (٩) صحيح البخاري برقم (٤١٥٢) وصحيح مسلم برقم (١٨٥٦)..
١٠ - (١) صحيح البخاري برقم (٤١٥٣)..
١١ - (٢) دلائل النبوة للبيهقي (٤/٩٧)..
١٢ - (٣) دلائل النبوة للبيهقي (٤/٩٨)..
١٣ - (٤) صحيح البخاري برقم (٤١٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٨٥٧)..
١٤ - (٥) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣٠٨)..
١٥ - (٦) في ت، م: "غلظتي"..
١٦ - (١) زيادة من ت، م..
١٧ - (٢) السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣١٥)..
١٨ - (٣) في ت: "أبي الأسود"..
١٩ - (٤) زيادة من أ..
٢٠ - (٥) في م: "من"..
٢١ - (٦) في ت: "المشركون" وهو خطأ..
٢٢ - (٧) في أ، م: "هشام"..
٢٣ - (٨) في أ: "بشير"..
٢٤ - (٩) في ت: "وروى البيهقي بسنده"..
٢٥ - (١٠) زيادة من ت..
٢٦ - (١١) لم أجده في دلائل النبوة ولعله في غيره..
٢٧ - (١) في أ: "شهاب"..
٢٨ - (٢) في أ: "عن أبي بكر بن أبي مليكة"..
٢٩ - (٣) السيرة النبوية (٢/٣١٦)..
٣٠ - (٤) زيادة من أ..
٣١ - (٥) زيادة من م، أ..
٣٢ - (٦) زيادة من م، أ..
٣٣ - (٧) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٤/١٣٧) من طريق الحميدي به..
٣٤ - (٨) زيادة من ت، أ..
٣٥ - (٩) في أ: "عبد الله بن عمر"..
٣٦ - (١٠) في أ: "ابن"..
٣٧ - (١١) صحيح البخاري برقم (٤١٨٧)..
٣٨ - (١٢) صحيح مسلم برقم (١٨٥٦)..
٣٩ - (١٣) في م: "والناس يبايعون النبي"..
٤٠ - (١) صحيح مسلم برقم (١٨٥٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى