محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿إن الذين يبايعونك﴾ أي على قتال قريش تحت الشجرة، وأن لا يفرّوا عند لقاء العدوّ، ولا يولوهم الأدبار. ﴿إنما يبايعون الله﴾ أي لأن عقد الميثاق مع رسول الله، كعقده مع الله، من غير تفاوت، لأن المقصود من توثيق العهد مراعاة أوامره تعالى ونواهيه. ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ تأكيد لما قبله. أي أن يد الله عند البيعة فوق أيديهم، كأنهم يبايعون الله ببيعتهم نبيه ﷺ. وقال القاشانيّ : أي قدرته البارزة في يد الرسول، فوق قدرتهم البارزة في صور أيديهم، فيضرهم عند النكث، وينفعهم عند الوفاء.
﴿فمن نكث﴾ أي نقض عهده ﴿فإنما ينكث على نفسه﴾ أي لعود ضرر ذلك عليه خاصة. ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ وهو الجنة.
تنبيه :
هذه البيعة هي بيعة الرضوان. وكانت تحت شجرة سمرة بالحديبية. وكان الصحابة الذين / بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ ألفا وأربعمائة، وقيل : وثلاثمائة، وقيل : خمسمائة. والأول أصح – على ما قاله ابن كثير- وقد اقتص سيرتها غير واحد من الأئمة. ولما كانت هذه السورة الجليلة كلها في شأنها، لزم إيرادها مفصلة.
قال ابن إسحاق :( خرج النبي ﷺ في ذي القعدة معتمرا، لا يريد حربا. واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت، ومعظما له ).
وقال الإمام ابن القيم : قصة الحديبية كانت سنة ست في ذي القعدة. وكان معه ألف وخمسمائة. هكذا في ( الصحيحين ) (١) عن جابر. وفيهما(٢) عن عبد الله بن أبي أوفى :( كنا ألفا وثلاثمائة ). وعن جابر فيهما :(٣) ( كانوا ألفا وأربعمائة ) – والقلب إلى هذا أميل– وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع. ( ثم لما كانوا بذي الحليفة قلّد رسول الله ﷺ الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة، وبعث عينا له بين يديه من خزاعة، يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبا من عسفان، أتاه عينه فقال : إني تركت كعب بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش(٤)، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. واستشار النبي ﷺ أصحابه وقال : أترون أن نميل إلى ذراريّ هؤلاء / الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين(٥) محزونين، وإن نجوا يكن عُنُق (٦) قطعها الله ؟ أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر : الله ورسوله أعلم ! إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد. ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي ﷺ : فروحوا إذن. فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم(٧)، في خيل لقريش، فخذوا ذات اليمين، فوالله ! ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بعترة الجيش. فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنيّة التي يهبط عليهم، بركت راحلته. فقال الناس : حَلْ حَلْ(٨)، فألحّت(٩) فقالوا : خلأت(١٠) القصواء ! خلأت القصواء ! فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ! ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتموها. ثم زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد(١١) قليل الماء إنما يتبرضه(١٢) الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته(١٣)، ثم أمرهم أن يجعلوها فيه. قال، فوالله ! ما زال يجيش لهم بالريّ(١٤)، حتى صدروا عنه. وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال : يا رسول الله ! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت. فدعا / رسول الله ﷺ عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمّاراً، وادعهم إلى الإسلام. وأمَرَه أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان. فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح(١٥)، فقالوا : أين تريد ؟ فقال : بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ونخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمّارا. فقالوا : قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به، وأسرج فرسه. فحمل عثمان على الفرس وأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة. وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان : خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به. فقال رسول الله ﷺ : ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون ! فقالوا : وما يمنعه يا رسول الله، وقد خلص قال : ذاك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معا. واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم. وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل. فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا. فأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال : هذه عن عثمان. ولما تمت البيعة رجع عثمان. فقال له المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت ؟ فقال : بئس ما ظننتم بي ! والذي نفسي بيده ! لو مكثت بها سنة، ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية، ما طفت بها، حتى يطوف بها رسول الله ﷺ. ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت ! فقال المسلمون : رسول الله ﷺ كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنا. وكان عمر أخذ بيد رسول الله ﷺ للبيعة تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم، إلا الحرّ بن قيس، / وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه عن رسو ل الله ﷺ. وكان أول من بايعه أبو سنان الأسديّ، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح(١٦) رسول الله ﷺ من أهل تهامة فقال : إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل(١٧)، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ : إنا لم نجئ لقتال أحد. ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم : فإن شاؤوا أُماددهم ويخلّوا بيني وبين الناس. وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا. وإن أبوا إلا القتال، فوالذي نفسي بيده ! لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره قال بديل : سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته. قال سمعته يقول كذا وكذا. فقال عروة بن مسعود الثقفيّ : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته. فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل فقال له عروة عند ذلك : أي محمد ! أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن أخرى، فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوشابا من الناس، خليقا أن يفروا ويدعوك ! فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ! أنحن نفر عنه وندعه ! قال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر. قال : أما والذي نفسي بيده ! لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك ! وجعل يكلم / النبي ﷺ، وكلما كلمه أخذ بلحيته. والمغيرة بن شعبة على رأس النبي ﷺ ومعه السيف، وعليه المغفر. فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال : أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، فرفع عروة رأسه وقال : من ذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة. فقال : أي غُدَر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية. فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ. فوالله ! ما تنخم النبي ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! لقد وفدت على الملوك : على كسرى وقيصر والنجاشيّ، والله ما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله ! إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له. وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته. فقالوا : ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبّون، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال : رأيت البُدْن قد قُلّدت وأُشعرت، وما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام مكرز بن حفص، فقال : دعوني آته. فقالوا : ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر فجعل يكلم رسول الله ﷺ، فبينا هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ :/ قد سهل لكم من أمركم، فقال : هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا الكاتب، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل : أم الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب : باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : اكتب : باسمك اللهم. ثم قال : اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل : فوالله ! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : إني رسول الله وإن كذبتموني ! اكتب : محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل : والله ! لا تتحدث العرب
﴿فمن نكث﴾ أي نقض عهده ﴿فإنما ينكث على نفسه﴾ أي لعود ضرر ذلك عليه خاصة. ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ وهو الجنة.
تنبيه :
هذه البيعة هي بيعة الرضوان. وكانت تحت شجرة سمرة بالحديبية. وكان الصحابة الذين / بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ ألفا وأربعمائة، وقيل : وثلاثمائة، وقيل : خمسمائة. والأول أصح – على ما قاله ابن كثير- وقد اقتص سيرتها غير واحد من الأئمة. ولما كانت هذه السورة الجليلة كلها في شأنها، لزم إيرادها مفصلة.
قال ابن إسحاق :( خرج النبي ﷺ في ذي القعدة معتمرا، لا يريد حربا. واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت، ومعظما له ).
وقال الإمام ابن القيم : قصة الحديبية كانت سنة ست في ذي القعدة. وكان معه ألف وخمسمائة. هكذا في ( الصحيحين ) (١) عن جابر. وفيهما(٢) عن عبد الله بن أبي أوفى :( كنا ألفا وثلاثمائة ). وعن جابر فيهما :(٣) ( كانوا ألفا وأربعمائة ) – والقلب إلى هذا أميل– وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع. ( ثم لما كانوا بذي الحليفة قلّد رسول الله ﷺ الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة، وبعث عينا له بين يديه من خزاعة، يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبا من عسفان، أتاه عينه فقال : إني تركت كعب بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش(٤)، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. واستشار النبي ﷺ أصحابه وقال : أترون أن نميل إلى ذراريّ هؤلاء / الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين(٥) محزونين، وإن نجوا يكن عُنُق (٦) قطعها الله ؟ أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر : الله ورسوله أعلم ! إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد. ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي ﷺ : فروحوا إذن. فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم(٧)، في خيل لقريش، فخذوا ذات اليمين، فوالله ! ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بعترة الجيش. فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنيّة التي يهبط عليهم، بركت راحلته. فقال الناس : حَلْ حَلْ(٨)، فألحّت(٩) فقالوا : خلأت(١٠) القصواء ! خلأت القصواء ! فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ! ثم قال : والذي نفسي بيده ! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتموها. ثم زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد(١١) قليل الماء إنما يتبرضه(١٢) الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته(١٣)، ثم أمرهم أن يجعلوها فيه. قال، فوالله ! ما زال يجيش لهم بالريّ(١٤)، حتى صدروا عنه. وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال : يا رسول الله ! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت. فدعا / رسول الله ﷺ عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمّاراً، وادعهم إلى الإسلام. وأمَرَه أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان. فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح(١٥)، فقالوا : أين تريد ؟ فقال : بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ونخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمّارا. فقالوا : قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به، وأسرج فرسه. فحمل عثمان على الفرس وأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة. وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان : خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به. فقال رسول الله ﷺ : ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون ! فقالوا : وما يمنعه يا رسول الله، وقد خلص قال : ذاك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معا. واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم. وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل. فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا. فأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال : هذه عن عثمان. ولما تمت البيعة رجع عثمان. فقال له المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت ؟ فقال : بئس ما ظننتم بي ! والذي نفسي بيده ! لو مكثت بها سنة، ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية، ما طفت بها، حتى يطوف بها رسول الله ﷺ. ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت ! فقال المسلمون : رسول الله ﷺ كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنا. وكان عمر أخذ بيد رسول الله ﷺ للبيعة تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم، إلا الحرّ بن قيس، / وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه عن رسو ل الله ﷺ. وكان أول من بايعه أبو سنان الأسديّ، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح(١٦) رسول الله ﷺ من أهل تهامة فقال : إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل(١٧)، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ : إنا لم نجئ لقتال أحد. ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم : فإن شاؤوا أُماددهم ويخلّوا بيني وبين الناس. وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا. وإن أبوا إلا القتال، فوالذي نفسي بيده ! لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره قال بديل : سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته. قال سمعته يقول كذا وكذا. فقال عروة بن مسعود الثقفيّ : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته. فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل فقال له عروة عند ذلك : أي محمد ! أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن أخرى، فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوشابا من الناس، خليقا أن يفروا ويدعوك ! فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ! أنحن نفر عنه وندعه ! قال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر. قال : أما والذي نفسي بيده ! لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك ! وجعل يكلم / النبي ﷺ، وكلما كلمه أخذ بلحيته. والمغيرة بن شعبة على رأس النبي ﷺ ومعه السيف، وعليه المغفر. فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال : أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، فرفع عروة رأسه وقال : من ذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة. فقال : أي غُدَر ! أو لست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية. فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ. فوالله ! ما تنخم النبي ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! لقد وفدت على الملوك : على كسرى وقيصر والنجاشيّ، والله ما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله ! إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له. وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته. فقالوا : ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبّون، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال : رأيت البُدْن قد قُلّدت وأُشعرت، وما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام مكرز بن حفص، فقال : دعوني آته. فقالوا : ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر فجعل يكلم رسول الله ﷺ، فبينا هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ :/ قد سهل لكم من أمركم، فقال : هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا الكاتب، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل : أم الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب : باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : اكتب : باسمك اللهم. ثم قال : اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل : فوالله ! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : إني رسول الله وإن كذبتموني ! اكتب : محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل : والله ! لا تتحدث العرب
١ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتاب المغازي، ٣٥ – باب غزوة الحديبية، حديث ١٦٨٥..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ٣٥ – باب غزوة الحديبية، حديث ١٨٩٤..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ٣٥ – باب غزوة الحديبية، حديث ١٦٨٥..
٤ الأحابيش: أحياء من العرب حالفوا قريشا، وتجمعوا معهم..
٥ الموتور: من قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه..
٦ العُنقُ: الجماعة من الناس..
٧ واد بمرحلتين من مكة..
٨ كلمة زجر لبعث البعير على السير..
٩ أي لزقت مكانها..
١٠ أي حرنت..
١١ الثمد: بالتحريك الماء القليل. ولعل المراد به هنا محله، ليحسن وصفه بقلة الماء..
١٢ أي يأخذونه قليلا قليلا..
١٣ وعاء من جلد يكون فيه النشاب..
١٤ أي يفور ماؤه ويرتفع..
١٥ موضع قرب مكة..
١٦ يعني: خاصته وموضع نصحه. كنى بها عن القلوب والصدور التي هي مواضع النصح، تشبيها لها بالعياب التي يستودع فيها الثياب..
١٧ أي الإبل مع أولادها. والمطفل: الناقة القريبة العهد بالنتاج مع طفلها..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ٣٥ – باب غزوة الحديبية، حديث ١٨٩٤..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ٣٥ – باب غزوة الحديبية، حديث ١٦٨٥..
٤ الأحابيش: أحياء من العرب حالفوا قريشا، وتجمعوا معهم..
٥ الموتور: من قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه..
٦ العُنقُ: الجماعة من الناس..
٧ واد بمرحلتين من مكة..
٨ كلمة زجر لبعث البعير على السير..
٩ أي لزقت مكانها..
١٠ أي حرنت..
١١ الثمد: بالتحريك الماء القليل. ولعل المراد به هنا محله، ليحسن وصفه بقلة الماء..
١٢ أي يأخذونه قليلا قليلا..
١٣ وعاء من جلد يكون فيه النشاب..
١٤ أي يفور ماؤه ويرتفع..
١٥ موضع قرب مكة..
١٦ يعني: خاصته وموضع نصحه. كنى بها عن القلوب والصدور التي هي مواضع النصح، تشبيها لها بالعياب التي يستودع فيها الثياب..
١٧ أي الإبل مع أولادها. والمطفل: الناقة القريبة العهد بالنتاج مع طفلها..