المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿إن الذين يبايعونك﴾ يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة حين أخذ رسول الله ﷺ الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل عثمان بن عفان رسوله إليهم، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، وكان في ألف وأربعمائة رجل. قال النقاش : وقيل كان في ألف وثمانمائة، وقيل وسبعمائة، وقيل وستمائة، وقيل ومائتين.
قال القاضي أبو محمد : وبايعهم رسول الله ﷺ على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع(١) وغيره : بايعنا رسول الله ﷺ على الموت، وقال عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله : بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر.
والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى :﴿إنما يبايعون الله﴾ أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله تعالى.
وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب(٢) :﴿إنما يبايعون الله﴾. قال أبو الفتح : ذلك على حذف المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه(٣).
وقوله تعالى :﴿يد الله﴾ قال جمهور المتأولين : اليد، بمعنى : النعمة، أي نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها. ﴿فوق أيديهم﴾ التي مدوها لبيعتك. وقال آخرون :﴿يد الله﴾ هنا، بمعنى : قوة الله فوق قواهم، أي في نصرك ونصرهم، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر بها، وعلى التأويل الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش ﴿يد الله﴾ في الثواب.
وقوله :﴿فمن نكث﴾ أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له.
وقرأ جمهور القراء :«بما عاهد عليه الله » بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن أبي إسحاق :«ومن أوفى بما عاهد عليه اللهُ » بالرفع، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم :«عليهُ » مضمومة الهاء، وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم : الجنة، لا يفنى نعيمها ولا ينقضي أمرها.
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي والعامة :«فسيؤتيه » بالياء. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر :«فسنؤتيه » بالنون. وفي مصحف ابن مسعود :«فسيؤتيه الله ».
١ هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، أبو مسلم أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة أربع وسبعين.(تقريب التهذيب)..
٢ هو تمام بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أمه أم ولد، كان العاس يقول: تموا بتمام فصاروا عشرة، قال عنه ابن السكن:"كان أصغر إخوته، وكان أشد قريش بطشا"، وقال ابن حبان:"حديثه عن النبي ﷺ مرسل، وإنما رواه عن أبيه"، وقد ولي تمّام المدينة في زمان علي كرم الله وجهه.(الإصابة)..
٣ وبقية كلام أبي الفتح كما جاء في المحتسب:"فكأنه قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، فحذف المفعول الثاني لقربه من الأول، وأنه أيضا بلفظه وعلى وضعه، وهذا المعنى هو راجع إلى معنى القراءة العامة﴿إنما يبايعون الله﴾، أي: إنما يفعلون ذلك لله، إلا أنها أفخم معنى من قوله:(لله)، أي: إنما المعاملة في ذلك معه، فهو أعلى لها وأرجح بها"(المحتسب ٢-١٧٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى