اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ الآية. اعلم أنه تعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة ثم ختمها بذكر العباد المخلصين المؤمنين. قال الزجاج :«تبارك » تفاعل من البركة(١). والبركة كثرة الخيرة وزيادته، وفيه معنيان :
أحدهما : تزايد خيره وتكاثره. قال ابن عباس : معناه : جاء بكل بركة، قال تعالى :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والثاني : قال الضحاك : تعظّم الذي نزل الفرقان، أي : القرآن على عبده. وقيل(٢) : الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء. وسميت البركة بركة، لثبوت الماء فيها، والمعنى : أنه سبحانه باق(٣) في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير، وباق(٤) في صفاته ممتنع التبدل(٥).
فإن قيل : كلمة «الذي » موضوعة في اللغة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، وإذا كان كذلك فالقوم ما كانوا عالمين بأنه - سبحانه - الذي نزل الفرقان. فالجواب : أنه لما ظهر الدليل على كونه من عند الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه مجرى المعلوم (٦).

فصل


وصف القرآن بالفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل في نبوة محمد - عليه السلام (٧)- وبين الحلال والحرام، أو(٨) لأنه فرق في النزول كقوله :﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهذا أقرب، لأنه قال :﴿نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ ولفظة «نزل » تدل على التفريق، ولفظة «أنزل » تدل على الجمع، ولهذا قال في سورة آل عمران :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق ( مُصَدِّقاً لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ(٩) )﴾ [آل عمران: ٣] ﴿وَأَنْزَلَ التوراة والإنجيل﴾(١٠) [آل عمران: ٣]. والمراد بالعبد ههنا محمد - صلى الله عليه وسلم(١١)-.
قوله :«ليكون ». اللام متعلقة ب «نزَّل »، وفي اسم «يكون » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه ضمير يعود على «الَّذِي نزّل »، أي : ليكون الذي نزل الفرقان نذيراً(١٢).
الثاني : أنه يعود على «الفرقان » وهو القرآن، أي : ليكون الفرقان نذيراً(١٣) ( أضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله :﴿إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي﴾ [الإسراء: ٩] وهذا بعيد ؛ لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، ووصف القرآن به مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى(١٤) )(١٥).
الثالث : أنه يعود على «عبده »، أي : ليكون عبده محمد - ﷺ - نذيراً(١٦). وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة، لقربه مما يعود عليه الضمير على أقرب مذكور. و «لِلعَالَمِين » متعلق ب «نَذِيراً »، وإنما قدم لأجل الفواصل، ودعوى إفادة الاختصاص بعيدة، لعدم تأتيها هنا، ورجح أبو حيان عوده على «الذي »، قال : لأنه العمدة المسند إليه الفعل، وهو من وصفه تعالى كقوله :﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]، و «نذيراً » الظاهر فيه أنه بمعنى منذر، وجوَّزوا أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾(١٧) [القمر: ١٦] فإن قوله :«تبارك » يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور عقيبه لا بد وأن يكون سبباً لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف، فكيف يليق ذكره بهذا الموضع ؟ فالجواب : أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد(١٨)، كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر ( كان الإحسان إليه أكثر، لما أن ذلك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيراً ) (١٩) كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه بأنه معطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتّة(٢٠).
١ معاني القرآن وإعرابه ٤/٥٧..
٢ وقيل: سقط من ب..
٣ في النسختين: باقي..
٤ في النسختين: باقي..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٤ /٤٤- ٤٥..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٤٥..
٧ في ب: ﷺ وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم..
٨ أو: سقط من ب..
٩ ما بين القوسين سقط من النسختين..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٤٥..
١١ المرجع السابق..
١٢ انظر التبيان ٢/٩٨٠..
١٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٢٩، الكشاف ٣/٨٨، تفسير ابن عطية ١١/٣، التبيان ٢/٩٨٠..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/٤٥..
١٥ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٦ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٢٩، الكشاف ٣/٨٨، تفسير ابن عطية ١١/٣، التبيان ٢/٩٨٠..
١٧ البحر المحيط ٦/٤٨٠..
١٨ في النسختين الولد. والتصويب من الفخر الرازي..
١٩ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/ ٤٥ – ٤٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى