البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ * ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾
يقول الحق جل جلاله :﴿تبارك﴾ أي : تكاثر خيره وتزايد، أو : دام واتصل. وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله، والمستعمل منها الماضي فقط، والتفاعل فيها للمبالغة. ومعناها راجع إلى ما يفيض سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، التي من جملتها : تنزيل القرآن، المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية، أي : تعاظم ﴿الذي نَزَّلَ الفرقانَ﴾ أي : القرآن، مصدر فرق بين اثنين، إذا فصل بينهما. سمي به القرآن ؛ لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو : لأنه لم ينزل جملة، ولكن مفروقاً مفصولاً بين أجزائه شيئاً فشيئاً، ألا ترى إلى قوله :﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
أنزله ﴿على عبده﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، وإيراده - عليه الصلاة والسلام - بذلك العنوان ؛ لتشريفه، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمُرسل ؛ رداً على النصارى. أنزله ﴿ليكون﴾ العبد المنزل عليه، أو الفرقان ﴿للعالمين﴾ من الثقلين، زاد بعضهم : والملائكة، أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه، حيث لم يقف مع مقام ولا حال، ويقتبسوا من أنواره، وهو حكمة الإسراء، وقيل : حتى إلى الحيوانات والجمادات، أُمرت بطاعته فيما يأمرها به، وبتعظيمه - عليه الصلاة والسلام - وهذا كله داخل في العالمين ؛ لأن ما سوى الله كله عالم ؛ كما تقدم في الفاتحة. وعموم الرسالة من خصائصه - عليه الصلاة والسلام -. ﴿نذيراً﴾ أي : مخوِّفاً، وعدم التعرض للتبشير ؛ لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة، ولا بشارة لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : عبّر بالعبودية في التنزيل والإسراء ؛ إشارة إلى أن كل من تحقق بالعبودية الكاملة له حظ من تنزيل الفرقان على قلبه، حتى يفرق بين الحق والباطل، وحظ من الإسراء بروحه إلى عالم الملكوت والجبروت، حتى يعاين عجائب أسرار ربه.
وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم، ومن العروج بروحهم، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم، حتى يكونوا مع مراده، لا مع مرادهم، لا يريدون إلا ما أراد، ولا يشتهون إلا ما يقضي، قد تحرروا من رقِّ الأشياء، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى. فإذا كانوا كذلك صاروا خلفاء الأنبياء، يُعرج بأرواحهم، ويُوحى إلى قلوبهم ما يفرقون به بين الحق والباطل، ليكونوا نُذراً لعالمي زمانه ؛ قال تعالى :
﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وبالله التوفيق.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ * ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾
يقول الحق جل جلاله :﴿تبارك﴾ أي : تكاثر خيره وتزايد، أو : دام واتصل. وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله، والمستعمل منها الماضي فقط، والتفاعل فيها للمبالغة. ومعناها راجع إلى ما يفيض سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، التي من جملتها : تنزيل القرآن، المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية، أي : تعاظم ﴿الذي نَزَّلَ الفرقانَ﴾ أي : القرآن، مصدر فرق بين اثنين، إذا فصل بينهما. سمي به القرآن ؛ لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو : لأنه لم ينزل جملة، ولكن مفروقاً مفصولاً بين أجزائه شيئاً فشيئاً، ألا ترى إلى قوله :﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦].
أنزله ﴿على عبده﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، وإيراده - عليه الصلاة والسلام - بذلك العنوان ؛ لتشريفه، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمُرسل ؛ رداً على النصارى. أنزله ﴿ليكون﴾ العبد المنزل عليه، أو الفرقان ﴿للعالمين﴾ من الثقلين، زاد بعضهم : والملائكة، أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه، حيث لم يقف مع مقام ولا حال، ويقتبسوا من أنواره، وهو حكمة الإسراء، وقيل : حتى إلى الحيوانات والجمادات، أُمرت بطاعته فيما يأمرها به، وبتعظيمه - عليه الصلاة والسلام - وهذا كله داخل في العالمين ؛ لأن ما سوى الله كله عالم ؛ كما تقدم في الفاتحة. وعموم الرسالة من خصائصه - عليه الصلاة والسلام -. ﴿نذيراً﴾ أي : مخوِّفاً، وعدم التعرض للتبشير ؛ لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة، ولا بشارة لهم.
وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم، ومن العروج بروحهم، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم، حتى يكونوا مع مراده، لا مع مرادهم، لا يريدون إلا ما أراد، ولا يشتهون إلا ما يقضي، قد تحرروا من رقِّ الأشياء، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى. فإذا كانوا كذلك صاروا خلفاء الأنبياء، يُعرج بأرواحهم، ويُوحى إلى قلوبهم ما يفرقون به بين الحق والباطل، ليكونوا نُذراً لعالمي زمانه ؛ قال تعالى :
﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وبالله التوفيق.