مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير — ابن باديس

عن الكتاب
" تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.
الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا ".
المفردات والتراكيب :
( تبارك ) مادة ( ب رك ) كلها ترجع إلى معنى الثبوت، منها : بروك الإبل، استناختها، والبركة كالقربة مثل الحوض يثبت فيها الماء. والبراكاء الثبات في الحرب، و منها البركة بمعنى النماء والزيادة، و لا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينموا ويزيد، فلم تخرج عن معنى الثبوت(١) و تبارك من البركة فمعناه تزايد خيره.
والله تعالى له الكمال، ومنه الإنعام، فتبارك : أي تزايد كماله و إنعامه، فلا تحصى إنعاماته، ولا تحد كمالاته.
و ثبوت الكمال ينافي و ينفي ضده ؛ فيقتضي التنزه عن النقص.
فانتظم اللفظ ثلاثة معاني :
التنزه عن النقص، والاتصاف بالكمال، والإفاضة للإنعام. ( فتبارك : تقدس وتعاظم ) الفعل الأول مفيد للأول والفعل الثاني والثالث.
نزل ) مادة ( ن زل ) كلها ترجع إلى معنى الهبوط من عل، والحلول في أسفل.
ونزل المضاعف أبلغ في المعنى من أنزل، وقد يفيد كثرة النزول كما هنا ؛ لأنه نزله مفرقا على نيف و عشرين سنة. وقد يفيد القوة في نزول واحد كما في قوله تعالى :" لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " ؛ لأن تنزيل أقوى من إنزال التفصيل.
( الفرقان ) أصله مصدر فرق بمعنى فصل. و هو أبلغ في الدلالة على المعنى من فرق المصدر المجرد، بما فيه من زيادة الألف والنون، كما كان القرآن أبلغ من القراءة لذلك.
و هو هنا اسم من أسماء هذا الكتاب الكريم.
( نذير ) مادة ( ن ذ ر ) كلها ترجع على الإعلام والتحتيم، فمنها : نذر على نفسه الصوم أوجبه وحتمه و أعلم به ونذر بالعدو كفرح علم به و أنذره، أعلمه و لا يستعمل إلا في إبلاغ ما فيه تخويف، فهو إعلام بتأكيد وتحتيم. ونذير هنا بمعنى منذر من فعيل بمعنى مفعل.
( الذي نزل ) عرف المسند إليه بالموصولية لزيادة تقرير الغرض الذي إليه سيق الكلام(٢) لأن الغرض بيان كمالات الله تعالى، و إنعاماته، و تنزيل الفرقان منها، فهو من أعظم نعم الله على البشر، و من آيات الله الدالة على قدرته وعلمه و حكمته.
( عبده ) إضافة تشريف لأنه أكمل العباد. (٣).
المعنى :
تقدس وتعاظم الرب الذي نزل الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال وحزبيهما من الناس. مفصلا آيات على – محمد صلى الله عليه و آله وسلم-أكمل عباده ؛ ليكون بذلك الكتاب – لجميع الإنس والجن – منذرا لهم يعلمهم بعذابه، و يخوفهم بشديد عقابه إن لم يعبدوه وحده، و يخلعوا غيره من آلهتهم الباطلة، و يدخلوا في الدين الذي جاءهم به وهو الإسلام.
توحيد :
هذا الفعل وهو( تبارك ) لا يسند إلا إلى الله تعالى(٤) ؛ ذلك لأن العظمة الحقيقية بالكمال و الإنعام والتقديس بالتنزه التام ليسا إلا له. وما من كامل من مخلوقاته إلا وهو – جل جلاله – الذي كمله. وما من منعم عليه منهم إلا وهو تعالى الذي أنعم عليه، وما من زكي منهم إلا وهو- سبحانه- الذي زكاه.
سلوك :
هذا الرب الكامل المكمل، المنعم المتفضل القدوس، هو الذي أنزل هذا الفرقان. فإذا أردت أن ترقى في درجات الكمال، و تظفر بأنواع الإنعام وتزكي نفسك الزكاة التام، فعليك بهدى هذا الفرقان، فهو باسط القدس، و معراج الكمال، و مائدة الإكرام.
و قد سئلت عائشة – رضي الله عنها – عن خلق النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – فقالت :" كان خلقه القرآن ".
فقه واستنباط :
تحكيم القرآن في كل شيء :
لما سمى الله كتابه الفرقان، علمنا أنه به يفرق بين الحق والباطل، و أهل هذا وذاك. فهو الحكم العدل، والقول الفصل بين كل متنازعين يدعي كل منهما أنه، على حق، فيما هو عليه من عقد، أو قول، أو عمل.
فما تقابل حق وباطل، و ما تعالجت حجة و شبهة إلا و في هذا الكتاب الحكيم ما يفرق ما يفرق ما بينهما. و إنما يتفاوت الناس في إدراك ذلك منه على حسب ما عندهم من قوة علم، وصدق بصيرة، وحسن إخلاص.
فعلينا – إذن – أن يكون أول فزعنا في الفرق والفصل إليه.
و أن يكون أول جهدنا في استجلاء ذلك من نصوصه و مراميه، مستعينين بالسنة القولية والعملية على استخراج لآليه.
فإذا حكم قبلنا و سلمنا و كنا مع ما حكم له، و فارقنا ما حكم عليه ؛ فالله سماه الفرقان، لنعلم أنه فارق بنفسه، ولنعمل بالفرق به، ولا يكمل إيماننا بأنه الفرقان، إلا بالعلم والعمل.
الإنذار بالقرآن :
ولما – جعل – تعالى – غاية تنزيل الفرقان أن يكون عبده نذيرا،
اقتضى ذلك أن نذارته تكون بالقرآن، لتقوم الحجة، وتتم الحكمة، وتحصل الفائدة و تشمل النعمة.
و قد صرح بهذا في قوله تعالى :
" كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ". (٥)
" أوحي إلي هذا القرآن لأنذر به ومن بلغ " (٦)
" إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين و أن أتلو القرآن " (٧)
" فذكر بالقرآن من يخاف وعيد " (٨).
" و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله(٩) ".
فعلينا – إذن – أن نعلم أن القرآن هو كتاب النذارة والهداية، فنستخرج أصولها وفنونها من آياته، وهذا حظ العلم. و أن يكون اهتداؤنا في أنفسنا و هدينا لغيرنا به وهذا حظ العمل وهما ركنا الإيمان.
تطبيق وتحاكم :
تنازع ورده إلى القرآن :
في العالم الإسلامي كله اليوم طائفتان من المؤمنين(١٠)، يتنازعان خطة الهداية والنذارة والتذكير.
ولكل منهما – في سلوكها للقيام بتلك الخطة – سبيل.
وكل منهما تدعي أنها على الصواب، و أنها الأحق و الأولى بنفع العباد.
فرأينا أن نطبق فصل الفرقان عليهما، وننظر : كيف يفرق ما بينهما ومن هي المصيبة أو المخطئة. وفي ضمن ذلك تحاكمهما إليه وفصل النزاع بينهما بحكمه.
و إنما اخترناهما للتطبيق والتمثيل، لخطر الخطة التي تنازعا عليها، و عظيم النفع والضرر الذي يحصل من خطأ المخطىء، وصواب المصيب بها.
و لأن الهداية والنذارة والتذكير أمور لها أنزل القرآن، فتنازعهما عليها تنازع عليه.
فأحق فصل أن نمثل به لنعلمه هو فصله بين المتنازعين فيه.
وها نحن نعرض بعض الحال كل طائفة في قيامها بالخطة، ثم نسوق آيات القرآن، وننظر من أسعد الطائفتين بها :
الطائفة الأولى :
يذكرون من يدعونهم بغير القرآن بأحزاب وأوراد من وضعهم، لا مما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلا قليلا.
ولهم عليهم في أموالهم حق في أوقات من السنة معلومة.
والطائفة الثانية :
يذكرون الناس بالقرآن فيأمرونهم بقراءته وتدبره، و يبينون لهم معانيه، و يحثونهم على التمسك به والرجوع إليه.
و يدعونهم إلى الأذكار النبوية الثابتة في الكتب الصحاح، لرجوعها إلى القرآن لحكم قوله تعالى :" وما آتلكم الرسول فخذوه " (١١).
و لا يطلبون عليهم في ذلك أجرا.
حكم الله :
و الله تعالى يقول في الحال الأول :" فذكر بالقرآن " (١٢) وغيرها من الآيات المتقدمة في هذا المجلس.
و يقول – تعالى – في الحال الثانية لنبيه صلى الله عليه و آله وسلم :
" قل ما أسألكم عليه أجرا إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا. (١٣)
" قل ما أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ". (١٤)
ويقول في آية صريحة صراحة تامة في بيان من يجب أن يتبع من الدعاة :
" اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون(١٥) ".
و من هم المهتدون ؟ هم المتبعون – للنبي – صلى الله عليه و آله وسلم – لقوله تعالى :" فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي "، الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ". واتباعه بالنسبة لموضوعنا هو اتباعه في طريق دعوته الخلق إلى الله.
وقد ثبت بالقرآن أنه كان يدعوا بالقرآن، ويذكر به، وأنه لا يسأل على ذلك أجرا.
بأن – والحمد لله – بما ذكرنا حكم القرى، بين الطائفتين، واتضح طريق الحق في الدعوة و الإرشاد لمن يريد سلوكه منهما.
والله نسأل لنا ولهم قبول الحق والتعاون عليه والقوة والإخلاص في الصدع به والثبات عليه.
" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء " (١٦).
١ وهكذا تدور المادة حول نفسها..
٢ و ذلك لأن الموصول يقتضي صلة توضحه وتشرحه..
٣ للإمام بحث شاف واف كاف في " من هدى النبوة " في بيان معنى العبد والعبودية، فارجع إليه إن شئت ص ٣٥. وخلاصته : أن العبد في اللغة هو خلاف الحر. والعبودية هي طاعته مع الخضوع والتذلل و المملوكية التي هي أصل المعنى مستلزمة لها، وحقيقة العبودية لله أنها وصف ثابت عام في كل مخلوق في دائرة خلقه وقبضة أمره : العبودية لله طاعته والخضوع له، وبذلك يحصل الكمال للفرد الطائع الخاضع و بذا يحصل السعادتين في الدنيا والآخرة و لذا و صف نبيا بالعبودية و التكريم..
٤ أي لا يقال لمخلوق تبارك وتعالى..
٥ الأعراف الآية ٢..
٦ الأنعام الآية ١٩..
٧ النمل، الآيتان : ٩ – ٩٢..
٨ ق الآية ٤٥..
٩ التوبة الآية ٦..
١٠ يشير على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى شاكلتها، وإلى الطرقية..
١١ الحشر، الآية ٧..
١٢ سورة ق الآية ٤٥..
١٣ سورة الفرقان الآية ٥٧..
١٤ الشورى الآية ٢٣.
١٥ سورة يس الآية ٢١..
١٦ - سورة الأعراف الآية ١٥٨.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى