فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
وأصل تبارك مأخوذ من البركة، وهي : النماء والزيادة، حسية كانت أو عقلية. قال الزجاج : تبارك تفاعل، من البركة. قال : ومعنى البركة : الكثرة من كل ذي خير، وقال الفراء : إن تبارك وتقدّس في العربية واحد، ومعناهما العظمة. وقيل : المعنى : تبارك عطاؤه : أي زاد وكثر. وقيل المعنى : دام وثبت. قال النحاس : وهذا أولاها في اللغة، والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل : أي دام وثبت. واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة، وليس من ذا في شيء. قال العلماء : هذه اللفظة لا تستعمل إلاّ لله سبحانه، ولا تستعمل إلاّ بلفظ الماضي، والفرقان القرآن، وسمي فرقاناً : لأنه يفرق بين الحقّ والباطل بأحكامه، أو بين المحق والمبطل، والمراد بعبده نبينا ﷺ. ثم علل التنزيل :﴿لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً﴾ فإن النذارة هي الغرض المقصود من الإنزال، والمراد محمد ﷺ أو الفرقان، والمراد بالعالمين هنا الإنس والجنّ، لأن النبي ﷺ مرسل إليهما، ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلاً إلى الثقلين، والنذير : المنذر : أي ليكون محمد ﷺ منذراً، أو ليكون إنزال القرآن منذراً، ويجوز أن يكون النذير هنا بمعنى المصدر للمبالغة : أي ليكون إنزاله إنذاراً، أو ليكون محمد إنذاراً، وجعل الضمير للنبيّ ﷺ أولى، لأن صدور الإنذار منه حقيقة، ومن القرآن مجاز، والحمل على الحقيقة أولى ولكونه أقرب مذكور. وقيل إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى :﴿إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]،
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿تبارك﴾ تفاعل من البركة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قال : يهود ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ قال : كذباً. وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿تَبَارَكَ الذى نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ هو القرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه، وفرّق الله بين الحق والباطل ﴿لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً﴾ قال : بعث الله محمداً ﷺ نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله ووقائعه بمن خلا قبلكم ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ قال : بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً﴾ قال : هي الأوثان التي تعبد من دون الله ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهو الله الخالق الرازق، وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضرّ ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً يعني بعثاً ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ هذا قول مشركي العرب ﴿إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ﴾ هو الكذب ﴿افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ﴾ أي على حديثه هذا وأمره ﴿أساطير الأولين﴾ كذب الأوّلين وأحاديثهم.