محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.يحمد تعالى نفسه الكريمة ويثني عليها، لما أنزله من الفرقان، كما قال (١) :﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات﴾ الآية.
قال الزمخشري :( البركة ) كثرة الخير وزيادته. ومنها ( تبارك الله ) وفيه معنيان : تزايد عن كل شيء وتعالى عنه، في صفاته وأفعاله. و ﴿الفرقان﴾ مصدر فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما. وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقا مفصلا بعضه عن بعض في الإنزال.
ألا ترى إلى قوله (٢) :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ انتهى.
قال الناصر : والأظهر ها هنا هو المعنى الثاني. لأن في أثناء السورة بعد آيات (٣) :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ قال الله تعالى :﴿كذلك﴾ أي أنزلناه مفرقا كذلك ﴿لنثبت به فؤادك﴾ فيكون وصفه بالفرقان في أول السورة – والله أعلم -. كالمقدمة والتوطئة لما يأتي بعد. انتهى.
قال أبو السعود : وإيراده عليه الصلاة والسلام بذلك العنوان، لتشريفه والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبدا للمرسل ؛ ردا على النصارى، والكناية في ﴿ليكون﴾ للعبد أو للفرقان. و ( النذير ) صفة بمعنى منذر، أو مصدر بمعنى الإنذار، كالنكر مبالغة.
١ (١٨ الكهف ١ و ٢)..
٢ (١٧ الإسراء ١٠٦)..
٣ (٢٥ الفرقان ٣٢)..
٢ (١٧ الإسراء ١٠٦)..
٣ (٢٥ الفرقان ٣٢)..