اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه﴾ الآية. لما تكلم أولاً في التوحيد وثانياً في الرد على عبدة الأوثان، تكلم ههنا في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد - ﷺ -. فالشبهة الأولى : قوله :﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾.
قال(١) الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث هو الذي قال هذا القول ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني : عامر مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبير مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة، فلما أسلموا، وكان النبي يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال(٢). وقال الحسن : عبيد بن الحصر(٣) الحبشيّ الكاهن(٤). وقيل : جبر ويسار وعداء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً يأخذ منهم(٥).
قوله :«افتراه » الهاء تعود على «إفك » وقال أبو البقاء : الهاء تعود على «عبده » في أول السورة(٦). قال شهاب الدين(٧) : ولا أظنه إلا غلطاً وكأنه أراد أن يقول الضمير المرفوع في «افتراه » فغلط(٨).
قوله «ظلماً » فيه أوجه :
أحدها : أنه مفعول به، لأن جاء يتعدى بنفسه ( وكذلك أتى )(٩) (١٠).
والثاني : أنه على إسقاط الخافض، أي : جاءوا بظلم. قاله الزجاج (١١).
الثالث : أنه في موضع الحال(١٢)، فيجيء فيه ما في قولك : جاء زيد عدلاً(١٣).
قال الزمخشري :﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ أي : أتوا(١٤) ظلماً وكذباً كقوله(١٥) :﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾(١٦) [مريم: ٨٩] فانتصب بوقوع المجيء(١٧). أما كونه «ظلماً » فلأنهم نسبوا هذا الفعل(١٨) القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم. وأما كونه «زوراً » فلأنهم كذبوا، قال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول(١٩).
قال(١) الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث هو الذي قال هذا القول ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني : عامر مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبير مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة، فلما أسلموا، وكان النبي يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال(٢). وقال الحسن : عبيد بن الحصر(٣) الحبشيّ الكاهن(٤). وقيل : جبر ويسار وعداء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً يأخذ منهم(٥).
قوله :«افتراه » الهاء تعود على «إفك » وقال أبو البقاء : الهاء تعود على «عبده » في أول السورة(٦). قال شهاب الدين(٧) : ولا أظنه إلا غلطاً وكأنه أراد أن يقول الضمير المرفوع في «افتراه » فغلط(٨).
قوله «ظلماً » فيه أوجه :
أحدها : أنه مفعول به، لأن جاء يتعدى بنفسه ( وكذلك أتى )(٩) (١٠).
والثاني : أنه على إسقاط الخافض، أي : جاءوا بظلم. قاله الزجاج (١١).
الثالث : أنه في موضع الحال(١٢)، فيجيء فيه ما في قولك : جاء زيد عدلاً(١٣).
قال الزمخشري :﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ أي : أتوا(١٤) ظلماً وكذباً كقوله(١٥) :﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾(١٦) [مريم: ٨٩] فانتصب بوقوع المجيء(١٧). أما كونه «ظلماً » فلأنهم نسبوا هذا الفعل(١٨) القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم. وأما كونه «زوراً » فلأنهم كذبوا، قال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول(١٩).
١ في ب: وقال..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٠..
٣ كذا في البغوي، وفي الأصل: الحضرمي وفي ب: الحضرمي في..
٤ انظر البغوي ٦/١٥٧..
٥ المرجع السابق..
٦ التبيان ٢/٩٨٠..
٧ في الأصل: قاله. وهو تحريف..
٨ الدر المصون ٥/١٣٦. وفي ب: فغلط افتراه واختلقه والافتراء افتعال من فريت يقال: فريت الأديم..
٩ حكاه أبو حيان عن الكسائي. البحر المحيط ٦/٤٨١، وانظر أيضا الكشاف ٣/٨٨، والتبيان ٢/٩٨٠..
١٠ ما بين القوسين في ب: ولذلك أتى به..
١١ معاني القرآن وإعرابه ٤/٥٨، وانظر أيضا الكشاف ٣/١٨٨..
١٢ انظر التبيان ٢/٩٨٠..
١٣ أي أنه مصدر في موضع الحال مؤول بالمشتق والتقدير: جاؤوا ظالمين، أو على حذف مضاف أي: ذوي ظلم، هذا مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنه مفعول مطلق للفعل السابق عليه، وقيل: لفعل مقدر من لفظه، والتقدير: جاؤوا يظلمون ظلما..
١٤ في النسختين: كفروا. والتصويب من الفخر الرازي..
١٥ في ب: لقوله..
١٦ [مريم: ٨٩]. والاستشهاد بالآية على أن مصدر منصوب بالفعل السابق وليس حالا..
١٧ لم أجده في الكشاف، وهو موجود في الفخر الرازي، وقد نسبه ابن الخطيب إلى الكسائي. انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٠. وكان الأولى في هذه العبارة أن تكون بعد الوجه الأول؛ لأنها تدل على أن الفعل تعدى إلى المصدر فنصبه..
١٨ في ب: للفعل. وهو تحريف..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٠..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٠..
٣ كذا في البغوي، وفي الأصل: الحضرمي وفي ب: الحضرمي في..
٤ انظر البغوي ٦/١٥٧..
٥ المرجع السابق..
٦ التبيان ٢/٩٨٠..
٧ في الأصل: قاله. وهو تحريف..
٨ الدر المصون ٥/١٣٦. وفي ب: فغلط افتراه واختلقه والافتراء افتعال من فريت يقال: فريت الأديم..
٩ حكاه أبو حيان عن الكسائي. البحر المحيط ٦/٤٨١، وانظر أيضا الكشاف ٣/٨٨، والتبيان ٢/٩٨٠..
١٠ ما بين القوسين في ب: ولذلك أتى به..
١١ معاني القرآن وإعرابه ٤/٥٨، وانظر أيضا الكشاف ٣/١٨٨..
١٢ انظر التبيان ٢/٩٨٠..
١٣ أي أنه مصدر في موضع الحال مؤول بالمشتق والتقدير: جاؤوا ظالمين، أو على حذف مضاف أي: ذوي ظلم، هذا مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنه مفعول مطلق للفعل السابق عليه، وقيل: لفعل مقدر من لفظه، والتقدير: جاؤوا يظلمون ظلما..
١٤ في النسختين: كفروا. والتصويب من الفخر الرازي..
١٥ في ب: لقوله..
١٦ [مريم: ٨٩]. والاستشهاد بالآية على أن مصدر منصوب بالفعل السابق وليس حالا..
١٧ لم أجده في الكشاف، وهو موجود في الفخر الرازي، وقد نسبه ابن الخطيب إلى الكسائي. انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٠. وكان الأولى في هذه العبارة أن تكون بعد الوجه الأول؛ لأنها تدل على أن الفعل تعدى إلى المصدر فنصبه..
١٨ في ب: للفعل. وهو تحريف..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٠..