اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله(١) :﴿والذين لاَ يَدْعُونَ﴾ الآية. قال ابن عباس : إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً - ﷺ - فقالوا(٢) : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية(٣)، ونزل «يَا عِبَادِيَ »(٤) ﴿الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: ٥٣] وروي أن رجلاً قال : يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال :«أن تدعو لله نداً وهو خلقك » قال : ثم أي ؟ قال :«ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك » قال : ثم أي ؟ قال :«أن تُزَاني حليلة جارك » فأنزل الله تصديقها هذه الآية(٥).
فإن قيل : إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب(٦) بالعكس كان أولى ؟ فالجواب : أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال : المقصود من ذلك التنبيه(٧) على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال : وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون، «وَلاَ يَقْتُلُونَ » وأنتم تقتلون الموءودة، «وَلاَ يَزْنُونَ » وأنتم تزنون(٨).
قوله :«إلاَّ بالحَقِّ » يجوز أن تتعلق الباء بنفس «يَقْتلُون » أي : لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي : قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق(٩)، أو على أنها حال أي : إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق(١٠).
فإن قيل : من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب : أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله :«حَرَّمَ اللَّهُ » إشارة إلى المقتضي، وقوله :«إلاَّ بالحَقِّ » إشارة إلى المعارض(١١) والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة(١٢).
قوله :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر ( فلذلك وحِّدَ(١٣) ) (١٤).
قوله :«يَلْقَ »(١٥) قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء «يَلْقَى » بإثباتها(١٦) كقوله :«فلا تَنْسَى »(١٧) على أحد القولين(١٨)، وكقراءة ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾(١٩) [طه: ٧٧] في أحد القولين(٢٠) أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة(٢١). وقرأ بعضهم «يُلَقَّ » بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف(٢٢) من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال :
أي عقوبةٌ.
وقيل : هو الإثم نفسه، أي : يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ(٢٤). قال أبو مسلم : والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه(٢٥).
وقال الحسن : الأثام اسم من أسماء جهنم(٢٦)، وقال مجاهد : اسم وادٍ في جهنم(٢٧) وقيل : بئر فيها(٢٨). وقرأ ابن مسعود :«أَيَّاماً »(٢٩) جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال : يوم ذو أيام لليوم الصعب(٣٠).
فإن قيل : إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب(٦) بالعكس كان أولى ؟ فالجواب : أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال : المقصود من ذلك التنبيه(٧) على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال : وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون، «وَلاَ يَقْتُلُونَ » وأنتم تقتلون الموءودة، «وَلاَ يَزْنُونَ » وأنتم تزنون(٨).
قوله :«إلاَّ بالحَقِّ » يجوز أن تتعلق الباء بنفس «يَقْتلُون » أي : لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي : قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق(٩)، أو على أنها حال أي : إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق(١٠).
فإن قيل : من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب : أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله :«حَرَّمَ اللَّهُ » إشارة إلى المقتضي، وقوله :«إلاَّ بالحَقِّ » إشارة إلى المعارض(١١) والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة(١٢).
قوله :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر ( فلذلك وحِّدَ(١٣) ) (١٤).
قوله :«يَلْقَ »(١٥) قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء «يَلْقَى » بإثباتها(١٦) كقوله :«فلا تَنْسَى »(١٧) على أحد القولين(١٨)، وكقراءة ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾(١٩) [طه: ٧٧] في أحد القولين(٢٠) أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة(٢١). وقرأ بعضهم «يُلَقَّ » بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف(٢٢) من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال :
| جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى | عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ(٢٣) |
وقيل : هو الإثم نفسه، أي : يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ(٢٤). قال أبو مسلم : والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه(٢٥).
وقال الحسن : الأثام اسم من أسماء جهنم(٢٦)، وقال مجاهد : اسم وادٍ في جهنم(٢٧) وقيل : بئر فيها(٢٨). وقرأ ابن مسعود :«أَيَّاماً »(٢٩) جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال : يوم ذو أيام لليوم الصعب(٣٠).
١ في ب: قوله تعالى..
٢ في ب: فقال..
٣ انظر أسباب النزول للواحدي (٢٤٩) والقرطبي ١٣/٧٦..
٤ في ب: يا عباد..
٥ أخرجه البخاري (تفسير) ٣/١٦٩. أبو داود (طلاق) ٢/٧٣٢ – ٧٣٣، الترمذي (تفسير) ٥/١٧، ١٨، النسائي (تحريم) ٧/٨٩ – ٩٠، أحمد ١/٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤. وانظر أسباب النزول للواحدي (٢٤٩ – ٢٥٠). القرطبي ١٣/٧٥..
٦ في ب: بالترتيب..
٧ في ب: النسبة..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٠ – ١١١..
٩ انظر الكشاف ٣/١٠٤..
١٠ انظر التبيان ٢/٩٩١..
١١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١١..
١٢ المرجع السابق..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
١٤ ما بين القوسين في ب: فكذلك وجد. وهو تحريف..
١٥ في ب: "يلق أثاما"..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
١٧ من قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]..
١٨ القول الثاني: أن الألف حذفت للجزم، والألف الثابتة ناشئة عن إشباع الفتحة..
١٩ [طه: ٧٧]. و "لا تخف" جزما والتاء مفتوحة قراءة حمزة وحده، وقرأ الباقون "لا تخاف" رفعا بالألف. السبعة (٤٢١)..
٢٠ أي على قراءة حمزة "لا تخف" بالجزم فقوله: "ولا تخشى" قيل نشأت الألف لإشباع الفتحة ليتوافق رؤوس الآي، وقيل: الألف في تقدير الجزم، شبهت بالحروف الصحاح. انظر التبيان ٢/٨٩٩..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
٢٢ وهي قراءة ابن مسعود وأبي رجاء، كذا نسبها ابن خالويه في المختصر (١٠٥)..
٢٣ البيت من بحر الوافر، نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/٨١، إلى بلعاء بن قيس الكناني، ونسبه ابن منظور في اللسان (أثم) إلى شافع الليثي. وهو في الكشاف ٣/١٠٤، وتفسير ابن عطية ١١/٧٤، القرطبي ١٣/٧٦ البحر المحيط ٦/٥١٥، العقوق بالضم: منع بر الوالدين وقطع صلتهما. والشاهد فيه أن قوله: (أثام) بمعنى: جزاء وعقاب..
٢٤ انظر الكشاف ٣/١٠٤..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١١..
٢٦ المرجع السابق..
٢٧ المرجع السابق..
٢٨ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
٢٩ انظر المختصر وهامشه (١٠٥)، الكشاف ٣/١٠٤، البحر المحيط ٦/٥١٥..
٣٠ انظر الكشاف ٣/١٠٤، البحر المحيط ٦/٥١٥..
٢ في ب: فقال..
٣ انظر أسباب النزول للواحدي (٢٤٩) والقرطبي ١٣/٧٦..
٤ في ب: يا عباد..
٥ أخرجه البخاري (تفسير) ٣/١٦٩. أبو داود (طلاق) ٢/٧٣٢ – ٧٣٣، الترمذي (تفسير) ٥/١٧، ١٨، النسائي (تحريم) ٧/٨٩ – ٩٠، أحمد ١/٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤. وانظر أسباب النزول للواحدي (٢٤٩ – ٢٥٠). القرطبي ١٣/٧٥..
٦ في ب: بالترتيب..
٧ في ب: النسبة..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٠ – ١١١..
٩ انظر الكشاف ٣/١٠٤..
١٠ انظر التبيان ٢/٩٩١..
١١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١١..
١٢ المرجع السابق..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
١٤ ما بين القوسين في ب: فكذلك وجد. وهو تحريف..
١٥ في ب: "يلق أثاما"..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
١٧ من قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]..
١٨ القول الثاني: أن الألف حذفت للجزم، والألف الثابتة ناشئة عن إشباع الفتحة..
١٩ [طه: ٧٧]. و "لا تخف" جزما والتاء مفتوحة قراءة حمزة وحده، وقرأ الباقون "لا تخاف" رفعا بالألف. السبعة (٤٢١)..
٢٠ أي على قراءة حمزة "لا تخف" بالجزم فقوله: "ولا تخشى" قيل نشأت الألف لإشباع الفتحة ليتوافق رؤوس الآي، وقيل: الألف في تقدير الجزم، شبهت بالحروف الصحاح. انظر التبيان ٢/٨٩٩..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
٢٢ وهي قراءة ابن مسعود وأبي رجاء، كذا نسبها ابن خالويه في المختصر (١٠٥)..
٢٣ البيت من بحر الوافر، نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/٨١، إلى بلعاء بن قيس الكناني، ونسبه ابن منظور في اللسان (أثم) إلى شافع الليثي. وهو في الكشاف ٣/١٠٤، وتفسير ابن عطية ١١/٧٤، القرطبي ١٣/٧٦ البحر المحيط ٦/٥١٥، العقوق بالضم: منع بر الوالدين وقطع صلتهما. والشاهد فيه أن قوله: (أثام) بمعنى: جزاء وعقاب..
٢٤ انظر الكشاف ٣/١٠٤..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١١..
٢٦ المرجع السابق..
٢٧ المرجع السابق..
٢٨ انظر البحر المحيط ٦/٥١٥..
٢٩ انظر المختصر وهامشه (١٠٥)، الكشاف ٣/١٠٤، البحر المحيط ٦/٥١٥..
٣٠ انظر الكشاف ٣/١٠٤، البحر المحيط ٦/٥١٥..