جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر، فيشركون في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ قتلها إلاّ بِالحَقّ إما بكفر بالله بعد إسلامها، أو زنا بعد إحصانها، أو قتل نفس، فتقتل بها وَلاَ يَزْنُونَ فيأتون ما حرّم الله عليهم إتيانه من الفروج وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يقول : ومن يأت هذه الأفعال، فدعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرّم الله بغير الحقّ، وزنى يَلْقَ أثاما يقول : يلق من عقاب الله عقوبة ونكالاً، كما وصفه ربنا جلّ ثناؤه، وهو أنه يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانا. ومن الأثام قول بَلْعَاءَ بن قيس الكناني :
| جَزَى اللّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حيْثُ أمْسَى | عُقُوقا والعُقُوقُ لَهُ أَثامُ |
وقد ذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل قوم من المشركين أرادوا الدخول في الإسلام، ممن كان منه في شركه هذه الذنوب، فخافوا أن لا ينفعهم مع ما سلف منهم من ذلك إسلام، فاستفتَوْا رسول الله ﷺ في ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية، يعلمهم أن الله قابل توبة من تاب منهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : ثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أن ناسا من أهل الشرك قَتَلُوا فأكثروا، فأتوا محمدا ﷺ، فقالوا : إن الذي تدعونا إليه الحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت : وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ التي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ، وَلا يَزْنُونَ، ونزلت : قُلْ يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ. . . إلى قوله : مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال ابن جُرَيج : وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء.
حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي، قال : حدثنا سفيان، عن أبي معاوية، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله، قال : سألت النبيّ ﷺ : ما الكبائر ؟ قال :«أنْ تَدْعُوَ لِلّهِ نِدّا وَهُوَ خَلَقَك وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أنْ يأكُلَ مَعَكَ، وأَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ »، وقرأ علينا رسول الله ﷺ من كتاب الله : وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ، وَلا يَزْنُونَ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور، عن أبي وائل عن عمرو بن شُرَحْبِيلِ، عن عبد الله، قال : قلت : يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم ؟ قال :«أنْ تَجْعَلَ لِلّهِ ندّا وَهُوَ خَلَقَكَ »، قلت : ثم أيّ ؟ قال :«أنْ تَقْتُل وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ »، قلت : ثم أيّ ؟ قال :«ثُمّ أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ »، فأنزل تصديق قول النبيّ ﷺ : وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ التي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ، وَلا يَزْنُونَ ». . . الاَية.
حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال : حدثنا عليّ بن قادم، قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن منصور عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ، نحوه.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ، قال : ثني عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن سفيان، عن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال : يا رسول الله أيّ الذنب أكبر ؟ ثم ذكر نحوه.
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا عامر بن مدرك، قال : حدثنا السريّ، يعني ابن إسماعيل قال : حدثنا الشعبيّ، عن مسروق، قال : قال عبد الله : خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، فاتبعته، فجلس على نَشَز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، فاغتنمت خلوته، وقلت : بأبي وأمي يا رسول الله، أيّ الذنوب أكبر ؟ قال :«أنْ تَدْعُوَ لِلّهِ نِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ ». قلت : ثم مَهْ ؟ قال :«أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكِ كَرَاهِيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ». قلت : ثم مَهْ ؟ قال :«أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ »، ثم تلا هذه الاَية :«وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ ». . . إلى آخر الاَية.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا طَلْق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، قال : ثني سعيد بن جُبير، أو حُدثت عن سعيد بن جُبير، أن عبد الرحمن بن أبْزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمنا مُتَعَمّدا. . . إلى آخر الاَية، والآية التي في الفرقان وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يَلْقَ أثاما. . . إلى ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانا قال ابن عباس : إذا دخل الرجل في الإسلام، وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنا متعمدا، فلا توبة له. والتي في الفرقان، لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرّم الله بغير الحقّ، فما ينفعنا الإسلام ؟ قال : فنزلت إلاّ مَنْ تابَ قال : فمن تاب منهم قُبل منه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، قال : ثني سعيد بن جُبير، أو قال : حدثني الحكم عن سعيد بن جُبير، قال : أمرني عبد الرحمن بن أبزي، فقال : سل ابن عباس، عن هاتين الاَيتين، ما أمرهما عن الاَية التي في الفرقان وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلَهَا آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ. . . الاَية، والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ. فسألت ابن عباس عن ذلك، فقال : لما أنزل الله التي في الفرقان، قال مشركو أهل مكة : قد قتلنا النفس التي حرّم الله، ودعونا مع الله إلها آخر، فقال : إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعمِلَ عَمَلاً صالِحا. . . الاَية. فهذه لأولئك. وأما التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ. . . الاَية، فإن الرجل إذا عرف الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم، فلا توبة له. فذكرته لمجاهد، فقال : إلا من ندم.
حدثنا محمد بن وعوف الطائي، قال : حدثنا أحمد بن خالد الذهنيّ، قال : حدثنا شيبان، عن منصور بن المعتمر، قال : ثني سعيد بن جُبير، قال لي سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى : سل ابن عباس عن هاتين الاَيتين عن قول الله : وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلَها آخرَ. . . إلى مَنْ تابَ، وعن قوله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا. . . إلى آخر الاَية. قال : فسألت عنها ابن عباس، فقال : أنزلت هذه الاَية في الفرقان بمكة إلى قوله ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانا فقال المشركون : فما يغني عنا الإسلام، وقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرّم الله، وأتينا الفواحش، قال : فأنزل الله إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعمِلَ عَمَلاً صَالِحا. . . إلى آخر الاَية، قال : وأما من دخل في الإسلام وعقَله، ثم قتل، فلا توبة له.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال في هذه الاَية وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلَها آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ التي حَرّم اللّهُ إلاّ بالحَقّ. . . الاَية، قال : نزلت في أهل الشرك.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، قال : أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هذه الاَية وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلَها آخَرَ، فذكر نحوه.
حدثني عبد الكريم بن عمير، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال : حدثنا عيسى بن شعيب بن ثَوْبان، مولًى لبني الدليل من أهل المدينة، عن فُلَيح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد، عن أبي هريرة، قال : صليت مع رسول الله ﷺ العَتَمة، ثم انصرفت فإذا امرأة عند بابي، ثم سلمت، ففتحت ودخلت، فبينا أنا في مسجدي أصلي، إذ نقرت الباب، فأذنت لها، فدخلت فقالت : إني جئتك أسألك عن عمل عملت، هل لي من توبة ؟ فقالت : إني زنيت وولدتُ، فقتلته، فقلت : لا، ولا نعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة تقول : يا حسرتاه، أخُلِقَ هذا الحسن للنار ؟ قال : ثم صليت مع رسول الله ﷺ الصبح من تلك الليلة، ثم جلسنا ننتظر الإذن عليه، فأذن لنا، فدخلنا، ثم خرج من كان معي، وتخلفت، فقال :«ما لَكَ يا أبا هُرَيْرَةَ، ألَكَ حاجَةٌ ؟ » فقلت له : يا رسول الله صليت معك البارحة، ثم انصرفت. وقصصت عليه ما قالت المرأة، فقال النبيّ ﷺ :«ما قُلْتَ لَهَا ؟ » قال : قلت لها : لا والله ولا نعمت العين ولا كرامة، فقال رسول الله ﷺ :«بئْسَ ما قُلْتَ أمَا كُنْتَ تَقْرأُ هَذِهِ الاَيَةَ » : وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلَهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ التي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ. . . الاَية إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحا » فقال أبو هريرة : فخرجت، فلم أترك بالمدينة حصنا ولا دارا إلا وقفت عليه، فقلت : إن تكن فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة الليلة، فلتأتني ولتبشر فلما صليت مع النبيّ ﷺ العشاء، فإذا هي عند بابي، فقلت : أبشري، فإني دخلت على النبيّ، فذكرت له ما قلتِ لي، وما قلت لك، فقال :«بئس ما قلت لها، أما كنت تقرأ هذه الاَية ؟ » فقرأتها عليها، فخرّت ساجدة، فقالت : الحمد لله الذي جعل مَخْرجا وتوبة مما عملت، إن هذه الجارية وابنها حرّان لوجه الله، وإني قد تبت مما عملت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال : اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة، فما شيء من القرآن إلا سألته عنه، ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته ولا سمعت أحدا من العلماء يقول : إن الله يقول لذنب : لا أغفره.
وقال آخرون : هذه الاَية منسوخة بالتي في النساء.