فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( ٦٨ ) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( ٦٩ ) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٧٠ ) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ( ٧١ ) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٧٢ )﴾.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ لما فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي، والمعنى لا يدعون معه ربا من الأرباب، ولا يشركون به شيئا بل يوحدونه، ويخلصون له العبادة والدعوة.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي : الذنب أكبر ؟ قال :" أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت : ثم أي قال :" أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت : ثم أي قال :" أن تزاني بحليلة جارك " فأنزل الله تصديق ذلك والذين لا يدعون مع الله الآية. (١)
وأخرج الشيخان وغيرهما أيضا عن ابن عباس، أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فاكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ، فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت :﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾ الآية ونزلت :﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ الآية. (٢)
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها بسبب من الأسباب ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، أي بما يحق أن تقتل به النفوس، من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ أي لا يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح ولا ملك يمين.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي شيئا مما ذكر ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ هو في كلام العرب العقاب، قال الفراء : آثمنه الله يوثمه آثاما وأثاما، أي جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم، أي مجزى جزاء الإثم. وقال عبد الله بن عمر وعكرمة ومجاهد : إن أثاما واد في جهنم جعله الله عقابا للكفرة وقال السدي : جبل فيها. وقرئ يلق بضم الياء وتشديد القاف، قال أبو مسلم : الأثام والإثم واحد. والمراد هنا جزاء الآثام. فأطلق اسم الشيء على جزائه، وقرأ الحسن أياما جمع يوم يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، وما أظن هذه القراءة تصح عنه.
١ مسلم ٨٦ – البخاري ١٩٦٢.
٢ مسلم ٨٦ – البخاري ١٩٦٢.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى