زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ﴾ في سبب نزولها ثلاثة أقوال :
أحدها : ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، قال : سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم ؟ قال :" أن تجعل لله نِدا وهو خلقك "، قلت : ثم أي ؟ قال :" أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك "، قلت : ثم أي ؟ قال :" أن تزاني حليلة جارك "، فأنزل الله تعالى تصديقها :﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَر. . . َ﴾ الآية.
والثاني : أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية إلى قوله :﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثالث : أن وحشيا أتى النبي ﷺ فقال : يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله ﷺ :{ قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله، قال : فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، فهل يقبل الله مني توبة ؟ فصمت رسول الله ﷺ حتى نزلت هذه الآية، فتلاها عليه، فقال : أرى شرطا، فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى اسمع كلام الله، فنزلت { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [النساء: ٤٨]، فدعاه فتلاها عليه، فقال : ولعلي ممن لا يشاء الله، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت :﴿يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ. . .﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال : نعم، الآن لا أرى شرطا، فأسلم، رواه عطاء عن ابن عباس ؛ وهذا وحشي هو قاتل حمزة ؛ وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط. وقوله :﴿يَدَّعُونَ﴾ معناه : يعبدون. وقد سبق بيان قتل النفس بالحق في الأنعام :[ ١٥١ ].
قوله تعالى :﴿يَلْقَ أَثَاماً﴾ وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل :" يَلْقَ " برفع الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة وقال ابن عباس : يلق جزاء. وقال مجاهد، وعكرمة : وهو واد في جهنم. وقال ابن قتيبة : يلق عقوبة، وأنشد :
جزى الله ابن عروة حيث أمسىعقوقا والعقوق له أثام
قال الزجاج : وقوله تعالى :﴿يَلْقَ أَثَاماً﴾ جزما على الجزاء. قال أبو عمرو الشيباني يقال : قد لقي أثام ذلك، أي : جزاء ذلك، وسيبويه والخليل يذهبان إلى أن معناه : يلقى جزاء الأثام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى