اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾. وقد تقدم في «البقرة ».
ندب إلى الإنفاق في سبيل الله.
وقال ابن عطية(١) : هنا بالرَّفع على العطف، أو القطع والاستئناف.
وقرأ عاصم(٢) :«فيُضَاعفه » بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام، وفي ذلك قلقٌ.
قال أبو علي(٣) : لأن السؤال لم يقع على القرضِ، وإنما وقع عن فاعل القَرْض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى، كأن قوله :﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ﴾ بمنزلة قوله :«أيقرض الله أحدٌ ». انتهى.
وهذا الذي قاله أبو علي ممنوع(٤)، ألا ترى أنه ينصب بعد «الفاء » في جواب الاستفهام بالأسماء، وإن لم يتقدم فعل نحو : أين بيتك فأزورك ومثل ذلك : من يدعوني فأستجيب له، ومتى تسير فأرافقك، وكيف تكون فأصحبك، فالاستفهام إنما وقع عن ذات الدَّاعي، وعن ظرف الزَّمان، وعن الحال لا عن الفعل.
وقد حكى ابن كيسان عن العرب :«أين ذهب زيدٌ فنتبعه، ومن أبوك فنكرمه ».

فصل في المقصود بالقرض(٥)


ندب الله تعالى إلى الإنفاق في سبيل الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً :«قد أقرض ».
كما قال بعضهم رحمة الله عليه :[ الرمل ]
وإذَا جُوزيتَ قَرْضاً فاجزهإنَّما يَجزي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ(٦)
وسماه قرضاً ؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل، أي : من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة.
قال الكلبي :«قرضاً » أي : صدقة.
«حسناً » أي : محتسباً من قلبه بلا منٍّ ولا أدى(٧).
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ : ما بين سبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف.
وقيل القَرْض الحسن هو أن يقول : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال زيد بن أسلم : هو النَّفقة على الأهل.
وقال الحسن : التطوُّع بالعبادات(٨).
وقيل : عمل الخير.
وقال القشيري : لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة :
الأول : أن يكون من الحلال، لقوله ﷺ :«لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةً بِغَيْرِ طهُورٍ، ولا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ »(٩).
الثاني : أن يكون من أكرم ما يمكنه ؛ ولا يخرج الرديء كقوله تعالى :﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الثالث : أن يتصدق به وهو يحبّه، ويحتاج إليه لقوله تعالى :﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله :﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال عليه الصلاة والسلام «أفْضَلُ الصَّدقةِ أنْ تُعْطيَهُ وأنْتَ صَحيحٌ شَحِيحٌ تأمْلُ العَيْشَ ولا تمهلُ حتَّى إذا بلغتِ التَّراقي قُلْتَ : لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كَذَا »(١٠).
الرابع : أن تصرف صدقته إلى الأحوج فالأحوج، ولذلك خص تعالى أقواماً بأخذها، وهم أهل المبهمات.
الخامس : أن تخفي الصَّدقة لقوله تعالى :﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
السادس : ألاَّ يتبعها منًّا ولا أذى، لقوله تعالى :﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمنّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
السابع : أن يقصد بها وجه الله تعالى، ولا يُرائِي لقوله تعالى :﴿إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى﴾ [الليل: ٢٠].
الثامن : أن يستحقر ما يعطي وإن كثر ؛ لأن الدُّنيا كلها قليلة، قال تعالى :﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] في أحد التأويلات.
التاسع : أن يكون من أحبّ الأموال إليه، وأن يكون كثيراً لقوله عليه الصلاة والسلام «أفْضَلُ الرِّقابِ أغْلاهَا وأنفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا »(١١).
العاشر : ألا يرى عزَّ نفسه، وذُلّ الفقير، بل يكون الأمر بالعكس.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني الجنَّة.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٦٠..
٢ ينظر: الحجة ٦/٢٦٧، وإعراب القراءات ٢/٣٥٠، وحجة القراءات ٦٩٩، والعنوان ٧٤، وشرح شعلة ٢٩٣، وإتحاف ٢/٥٢٠..
٣ الحجة للقراء السبعة ٦/٢٦٨..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٥..
٥ ينظر: القرطبي ١٧/١٥٧..
٦ قائل البيت هو لبيد بن ربيعة، ويروى "أقرضت" مكان "جوزيت". ينظر ديوانه ص ١٧٩، والأزهية ص ١٨٢، ١٩٦، وخزانة الأدب ٩/٢٩٦، ٢٩٧، ٣٠٠، ١١/١٩٠، ١٩١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٤٠، وشرح التصريح ٢/١٣٥، والكتاب ٢/٣٢٣، ومجالس ثعلب ص ١٦٩، ٥١٥، والمقاصد النحوية ٤/٨٧٦، وأوضح المسالك ٣/٣٥٤، والمقتضب ٤/٤١٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/١٢٣، والقرطبي ١٧/١٥٧..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٥٧) عن الكلبي..
٨ ينظر: المصدر السابق..
٩ أخرجه مسلم ١/٢٠٤، كتاب الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة (١/٢٢٤)، والترمذي ١/٥ أبواب الطهارة، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور (١)، وابن ماجه ١/١٠٠، كتاب الطهارة، باب: لا يقبل صلاة بغير طهور (٢٧١) وأبو داود ١/١٦، كتاب الطهارة، باب: فرض الوضوء (٥٩)..
١٠ متفق عليه من حديث أبي هريرة..
١١ تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى