الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ : فيه عشرةُ أوجه، وذلك أنَّه : إمَّا بجَعْلِ " يَدْعُو " متسلِّطاً على الجملة مِنْ قولِه :﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ أو لا. فإنْ جَعَلْنَاه مُتَسَلِّطاً عليها كان في سبعةُ أوجه، أحدها : أنَّ " يَدْعُو " بمعنى يَقُوْل، واللامُ للابتداء، و " مَنْ " موصولةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتدء. و " ضَرُّه " مبتدأ ثانٍ و " أقربُ " خبرُه. وهذه الجملةُ صلةٌ للموصول، وخبرُ الموصولِ محذوفٌ تقديرُه : يقول لَلَّذي ضَرُّه أقربُ من نَفْعِه إلهٌ أو إلهي أو نحوُ ذلك. والجملةُ كلُّها في محلٍّ نصبٍ ب " يَدْعُو " لأنَّه بمعنى يَقُول، فهي محكيَّةٌ به. وهذا قولُ أبي الحسنِ. وعلى هذا فيكون قولُه :﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ مستأنفاً ليس داخلاً في المَحْكيِّ قبلَه ؛ لأنَّ الكفار لا يقولون في أصنامِهم ذلك. وقد رَدَّ بعضُهم هذا القولَ بأنه فاسدُ المعنى، والكافرُ لا يَعتقد في الأصنامِ أنَّ ضَرَّها أقربُ مِنْ نفعِها البتةَ.
الثاني : أنَّ " يَدْعُو " مُشَبَّهٌ بأفعالِ القلوب ؛ لأنَّ الدعاءَ لا يَصْدُرُ إلاَّ عن اعتقادٍ، وأفعال القلوب تُعَلَّق، ف " يَدْعُو " مُعَلَّقٌ أيضاً باللام. و " مَنْ " مبتدأٌ موصولٌ. والجملةُ بعده صلةٌ، وخبرُه محذوفٌ على ما مَرَّ في الوجهِ قبلَه.
والجملة في محلِّ نصبٍ، كما تكون كذلك بعد أفعالِ القلوب. الثالث : أَنْ يُضَمَّن يَدْعُو معنى يزعم، فيُعَلَّق كما يُعَلَّقُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الوجهِ الذي قبله. الرابع : أن الأفعالَ كلَّها يجوزُ أَنْ تُعَلَّق قلبيةً كانت أو غيرَها فاللامُ معلِّقَةٌ ل " يَدْعوا "، وهو مذهبُ يونسَ. فالجملةُ بعده الكلامُ فيها كما تقدَّم.
الخامس : أنَّ " يَدْعُوا " بمعنى يُسَمِّي، فتكونَ اللامُ مزيدةً في المفعولِ الأولِ وهو الموصولُ وصلتُه، ويكون المفعولُ الثاني محذوفاً تقديرُه : يُسَمِّي الذي ضَرُّه أقربُ مِنْ نفعِه إلهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس : أنَّ اللامَ مُزالَةٌ/ مِنْ موضِعها. والأصلُ : يَدْعُو مَنْ لَضَرُّه أقربُ. فقُدِّمَتْ مِنْ تأخيرٍ. وهذا قولُ الفراء. وقد رَدُّوا هذا بأنَّ ما في صلةِ الموصولِ لا يتقدَّمُ على الموصولِ. السابع : أنَّ اللامَ زائدةٌ في المفعول به وهو " مَنْ ". والتقديرُ : يَدْعُو مَنْ ضَرُّه أقرب. ف " مَنْ " موصولٌ، والجملةُ بعدَها صلتُها، والموصولُ هو المفعولُ ب " يَدْعُو " زِيْدتْ فيه اللامُ كزيادتِها في قولِه ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] في أحدِ القولين. وقد رُدَّ هذا بأنَّ زيادةَ اللام إنما تكونُ إذا كان العاملُ فَرْعاً، أو بتقديم المعمول. وقرأ عبد الله " يَدْعُو مَنْ ضَرُّه " بعيرِ لامِ ابتداءٍ، وهي مؤيدةٌ لهذا الوجهِ.
وإنْ لم تجعَلْه متسلِّطاً على الجملةِ بعدَه كان فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها : أنَّ " يَدْعُو " الثاني توكيدٌ ل " يَدْعو " الأولِ فلا معمولَ له، كأنه قيل : يَدْعو يَدْعو مِنْ دونِ الله الذي لا يَضُرُّه ولا ينفعه.
وعلى هذا فتكونُ الجملةُ مِنْ قولِه ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ﴾ معترضةً بين المؤكَّدِ والتوكيدِ ؛ لأنَّ فيها تَسْديداً وتأكيداً للكلام، ويكون قولُه ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ كلاماً مستأنفاً. فتكونُ اللامُ للابتداء و " مَنْ " موصولةٌ، و " ضَرُّه " مبتدأ و " أقربُ " خبرُه. والجملةُ صلةٌ، و " لَبِئْسَ " جوابٌ قسمٍ مقدر. وهذا القسمُ المقدرُ وجوابُه خبرُ المبتدأ الذي هو الموصول.
الثاني : أن يُجْعَلَ " ذلك " موصولاً بمعنى الذي. و " هو " مبتدأ، و " الضلالُ " خبره والجملةُ صلةٌ. وهذا الموصولُ مع صلتِه في محلِّ نصبٍ مفعولاً ب " يَدْعو " أي : يدعو الذي هو الضلالُ. وهذا منقولٌ عن أبي علي الفارسي، وليس هذا بماشٍ على رأي البصريين ؛ إذ لا يكونُ عندهم من أسماءِ الإِشارةِ موصولٌ إلاَّ " ذا " بشروطٍ ذكرْتُها فيما تقدَّم. وأمَّا الكوفيون فيُجيزون في أسماءِ الإِشارة مطلقاً أن تكونَ موصولةً، وعلى هذا فيكونُ " لَمَنْ ضَرُّه أَقْرَبُ " مستأنفاً، على ما تقدَّم تقريرُه.
والثالث : أن يُجْعَلَ " ذلك " مبتدأ. و " هو " : جوَّزوا فيه أن يكونَ بدلاً أو فَصْلاً أو مبتدأً، و " الضلالُ " خبرُ " ذلك " أو خبرُ " هو " على حَسَبِ الخلافِ في " هو " و " يَدْعُو " حالٌ، والعائدُ منه محذوفٌ تقديرُه : يَدْعوه، وقدَّروا هذا الفعلَ الواقعَ موقعَ الحال ب " مَدْعُوَّاً " قال أبو البقاء :" وهو ضعيفٌ "، ولم يُبَيِّنْ وجه ضَعْفِه. وكأنَّ وجهَه أنَّ " يَدْعُو " مبنيٌّ للفاعلِ فلا يناسِبُ أن تُقَدَّرَ الحالُ الواقعةُ موقعَه اسمَ مفعولٍ، بل المناسِبُ أن تُقَدَّرَ اسمَ فاعل، فكان ينبغي أَنْ يُقَدِّروه : داعياً ولو كان التركيبُ " يُدْعَى " مبنياً للمفعول لَحَسُن تقديرُهم مَدْعُوَّاً. ألا ترى أنَّك إذا قلتَ :" جاء زيدٌ يضربُ " كيف تُقَدِّره ب " ضارب " لا ب مَضْروب.
والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، وتقديرُه : لبِئْسَ المولى ولبئس العشيرُ ذلك المَدْعُوُّ.
الثاني : أنَّ " يَدْعُو " مُشَبَّهٌ بأفعالِ القلوب ؛ لأنَّ الدعاءَ لا يَصْدُرُ إلاَّ عن اعتقادٍ، وأفعال القلوب تُعَلَّق، ف " يَدْعُو " مُعَلَّقٌ أيضاً باللام. و " مَنْ " مبتدأٌ موصولٌ. والجملةُ بعده صلةٌ، وخبرُه محذوفٌ على ما مَرَّ في الوجهِ قبلَه.
والجملة في محلِّ نصبٍ، كما تكون كذلك بعد أفعالِ القلوب. الثالث : أَنْ يُضَمَّن يَدْعُو معنى يزعم، فيُعَلَّق كما يُعَلَّقُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الوجهِ الذي قبله. الرابع : أن الأفعالَ كلَّها يجوزُ أَنْ تُعَلَّق قلبيةً كانت أو غيرَها فاللامُ معلِّقَةٌ ل " يَدْعوا "، وهو مذهبُ يونسَ. فالجملةُ بعده الكلامُ فيها كما تقدَّم.
الخامس : أنَّ " يَدْعُوا " بمعنى يُسَمِّي، فتكونَ اللامُ مزيدةً في المفعولِ الأولِ وهو الموصولُ وصلتُه، ويكون المفعولُ الثاني محذوفاً تقديرُه : يُسَمِّي الذي ضَرُّه أقربُ مِنْ نفعِه إلهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس : أنَّ اللامَ مُزالَةٌ/ مِنْ موضِعها. والأصلُ : يَدْعُو مَنْ لَضَرُّه أقربُ. فقُدِّمَتْ مِنْ تأخيرٍ. وهذا قولُ الفراء. وقد رَدُّوا هذا بأنَّ ما في صلةِ الموصولِ لا يتقدَّمُ على الموصولِ. السابع : أنَّ اللامَ زائدةٌ في المفعول به وهو " مَنْ ". والتقديرُ : يَدْعُو مَنْ ضَرُّه أقرب. ف " مَنْ " موصولٌ، والجملةُ بعدَها صلتُها، والموصولُ هو المفعولُ ب " يَدْعُو " زِيْدتْ فيه اللامُ كزيادتِها في قولِه ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] في أحدِ القولين. وقد رُدَّ هذا بأنَّ زيادةَ اللام إنما تكونُ إذا كان العاملُ فَرْعاً، أو بتقديم المعمول. وقرأ عبد الله " يَدْعُو مَنْ ضَرُّه " بعيرِ لامِ ابتداءٍ، وهي مؤيدةٌ لهذا الوجهِ.
وإنْ لم تجعَلْه متسلِّطاً على الجملةِ بعدَه كان فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها : أنَّ " يَدْعُو " الثاني توكيدٌ ل " يَدْعو " الأولِ فلا معمولَ له، كأنه قيل : يَدْعو يَدْعو مِنْ دونِ الله الذي لا يَضُرُّه ولا ينفعه.
وعلى هذا فتكونُ الجملةُ مِنْ قولِه ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ﴾ معترضةً بين المؤكَّدِ والتوكيدِ ؛ لأنَّ فيها تَسْديداً وتأكيداً للكلام، ويكون قولُه ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ كلاماً مستأنفاً. فتكونُ اللامُ للابتداء و " مَنْ " موصولةٌ، و " ضَرُّه " مبتدأ و " أقربُ " خبرُه. والجملةُ صلةٌ، و " لَبِئْسَ " جوابٌ قسمٍ مقدر. وهذا القسمُ المقدرُ وجوابُه خبرُ المبتدأ الذي هو الموصول.
الثاني : أن يُجْعَلَ " ذلك " موصولاً بمعنى الذي. و " هو " مبتدأ، و " الضلالُ " خبره والجملةُ صلةٌ. وهذا الموصولُ مع صلتِه في محلِّ نصبٍ مفعولاً ب " يَدْعو " أي : يدعو الذي هو الضلالُ. وهذا منقولٌ عن أبي علي الفارسي، وليس هذا بماشٍ على رأي البصريين ؛ إذ لا يكونُ عندهم من أسماءِ الإِشارةِ موصولٌ إلاَّ " ذا " بشروطٍ ذكرْتُها فيما تقدَّم. وأمَّا الكوفيون فيُجيزون في أسماءِ الإِشارة مطلقاً أن تكونَ موصولةً، وعلى هذا فيكونُ " لَمَنْ ضَرُّه أَقْرَبُ " مستأنفاً، على ما تقدَّم تقريرُه.
والثالث : أن يُجْعَلَ " ذلك " مبتدأ. و " هو " : جوَّزوا فيه أن يكونَ بدلاً أو فَصْلاً أو مبتدأً، و " الضلالُ " خبرُ " ذلك " أو خبرُ " هو " على حَسَبِ الخلافِ في " هو " و " يَدْعُو " حالٌ، والعائدُ منه محذوفٌ تقديرُه : يَدْعوه، وقدَّروا هذا الفعلَ الواقعَ موقعَ الحال ب " مَدْعُوَّاً " قال أبو البقاء :" وهو ضعيفٌ "، ولم يُبَيِّنْ وجه ضَعْفِه. وكأنَّ وجهَه أنَّ " يَدْعُو " مبنيٌّ للفاعلِ فلا يناسِبُ أن تُقَدَّرَ الحالُ الواقعةُ موقعَه اسمَ مفعولٍ، بل المناسِبُ أن تُقَدَّرَ اسمَ فاعل، فكان ينبغي أَنْ يُقَدِّروه : داعياً ولو كان التركيبُ " يُدْعَى " مبنياً للمفعول لَحَسُن تقديرُهم مَدْعُوَّاً. ألا ترى أنَّك إذا قلتَ :" جاء زيدٌ يضربُ " كيف تُقَدِّره ب " ضارب " لا ب مَضْروب.
والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، وتقديرُه : لبِئْسَ المولى ولبئس العشيرُ ذلك المَدْعُوُّ.