المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقرأ جمهور الناس «وأذّن » بشد الذال، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيص «وآذن » بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني، فإنه حكى عنها «وأذن » فعل ماض وأعرب عن ذلك بان جعله عطفاً على ﴿بوأنا﴾(١)، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن يسمعني ؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى : أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه عليه السلام واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير، وقرأ جمهور الناس «بالحَج » بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها، و ﴿رجالاً﴾، جمع راجل كتاجر وتجار، [ وصاحب وصحاب ](٢)، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد «رُجّالاً » بضم الراء وشد الجيم ككاتب وكتاب، وقرأ عكرمة أيضاً وابن أبي إسحاق «رُجالاً » بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية الجمع ورويت عن مجاهد، وقرأ مجاهد «رُجالى » على وزن فعالى فهو كمثل كسالى، و «الضامر »، قالت فرقة أراد بها الناقة ع وذلك أنه يقال ناقة ضامر.
ومنه قول الأعشى :
عهدي بها في الحي قد ذرعت. . . هيفاء مثل المهرة الضامر(٣)
فيجيء قوله ﴿يأتين﴾ مستقيماً على هذا التأويل، وقالت فرقة «الضامر » هو كل ما اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله ﴿يأتين﴾ وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون » وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم ﴿رجالاً﴾ تفضيل للمشاة في الحج، قال ابن عباس : ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ماشياً فإني سمعت الله تعالى يقول :﴿يأتونك رجالاً﴾ وقال ابن أبي نجيح : حج إبراهيم وإسماعيل ماشين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكراً ع وهذا تأسيس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إيتان مكة إما راجلاً وإما على ﴿ضامر﴾ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد [ عدم ذكر ](٤) البحر ليس بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصاً ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاماً ظاهره أن الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذار ع وهذا ضعيف(٥) و «الفج » الطريق الواسعة، و «العميق » معناه البعيد. وقال الشاعر :[ الطويل ]
إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة. . . يمد بها في السير أشعث شاحب(٦)
ومنه قول الأعشى :
عهدي بها في الحي قد ذرعت. . . هيفاء مثل المهرة الضامر(٣)
فيجيء قوله ﴿يأتين﴾ مستقيماً على هذا التأويل، وقالت فرقة «الضامر » هو كل ما اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله ﴿يأتين﴾ وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون » وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم ﴿رجالاً﴾ تفضيل للمشاة في الحج، قال ابن عباس : ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ماشياً فإني سمعت الله تعالى يقول :﴿يأتونك رجالاً﴾ وقال ابن أبي نجيح : حج إبراهيم وإسماعيل ماشين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكراً ع وهذا تأسيس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إيتان مكة إما راجلاً وإما على ﴿ضامر﴾ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد [ عدم ذكر ](٤) البحر ليس بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصاً ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاماً ظاهره أن الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذار ع وهذا ضعيف(٥) و «الفج » الطريق الواسعة، و «العميق » معناه البعيد. وقال الشاعر :[ الطويل ]
إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة. . . يمد بها في السير أشعث شاحب(٦)
١ نقل القرطبي كلام ابن عطية هذا عن ابن جني ولم يعلق عليه، ونقله أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط وعلق عليه بقوله: "وليس بتصحيف، بل قد حكى أبو عبد الله الحسين بن خالويه في (شواذ القراءات) من جمعه، وحكى صاحب (اللوامح) أبو الفضل الرازي ذلك عن الحسن وابن محيصن، قال صاحب اللوامح: وهو عطف على ﴿وإذ بوأنا﴾، فيصير في الكلام تقديم وتأخير، ويصير [يأتوك] جزما على جواب الأمر الذي هو (وطهر)". وإذا رجعنا إلى كلام ابن جني في (المحتسب) نجد أنه يقول نفس الكلام تقريبا، إذ قال: "فأما قوله: ﴿يأتوك رجالا﴾ فإنه انجزم لأنه جواب قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾، وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾"..
٢ زيادة من القرطبي الذي نقل كلام ابن عطية منسوبا إليه هكذا..
٣ البيت من قصيدة للأعشى قالها يهجو علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما، والرواية في الديوان: (قد سربلت)، وبعد هذا البيت يقول:
قد نهد الثدي على صدرها في مشرق ذي صبح نائر
لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا: يا عجبا للميت الناشر
فذهبت أبياته في الناس..
٤ ما بين العلامتين [....] زيادة للتوضيح وسلامة التعبير..
٥ نقل الطبري كلام ابن عطية كله عن "البحر" إلى أن قال: وهذا ضعيف، ثم علق عليه بقوله: "قلت: وأضعف من ضعيف"..
٦ الفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسعة بين جبلين، والعميق: البعيد، وأصله البعد سفلا، يقال: بئر عميقة، أي بعيدة القعر، وهذا هو موضع الشاهد في البيت، وتشعث شعره: تلبد واغبر، والشعث والأشعث: المغبر الرأس، المنتتف الشعر، والشاحب: المتغير من هزال، أو جوع، أو سفر، أو عمل، ولم يقيده في الصحاح، بل قال: شحب جسمه إذا تغير، ولم أقف على قائل هذا البيت فيما بين يدي من المراجع..
٢ زيادة من القرطبي الذي نقل كلام ابن عطية منسوبا إليه هكذا..
٣ البيت من قصيدة للأعشى قالها يهجو علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما، والرواية في الديوان: (قد سربلت)، وبعد هذا البيت يقول:
قد نهد الثدي على صدرها في مشرق ذي صبح نائر
لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا: يا عجبا للميت الناشر
فذهبت أبياته في الناس..
٤ ما بين العلامتين [....] زيادة للتوضيح وسلامة التعبير..
٥ نقل الطبري كلام ابن عطية كله عن "البحر" إلى أن قال: وهذا ضعيف، ثم علق عليه بقوله: "قلت: وأضعف من ضعيف"..
٦ الفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسعة بين جبلين، والعميق: البعيد، وأصله البعد سفلا، يقال: بئر عميقة، أي بعيدة القعر، وهذا هو موضع الشاهد في البيت، وتشعث شعره: تلبد واغبر، والشعث والأشعث: المغبر الرأس، المنتتف الشعر، والشاحب: المتغير من هزال، أو جوع، أو سفر، أو عمل، ولم يقيده في الصحاح، بل قال: شحب جسمه إذا تغير، ولم أقف على قائل هذا البيت فيما بين يدي من المراجع..