اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً﴾ يعني اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين «إلاَّ » إذا كانوا ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدُّروب(١) والحيطان [ يظنُّون ](٢) أنها تمنعهم منكم، ﴿أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي : من خلف حيطانٍ يستترون بها لجبنهم ورهبتهم(٣).
قوله :«جَمِيعاً » حال، و﴿إِلاَّ فِي قُرًى﴾ متعلق ب «يُقَاتِلُونَكُمْ »(٤).
وقوله :«جُدُرٍ ».
قرأ ابن كثير(٥) وأبو عمرو :«جدار » بالإفراد. وفيه أوجه(٦) :
أحدها : أنه السُّورُ، والسُّورُ الواحد يعم الجميع من المقاتلة ويسترهم.
والثاني : أنه واحد في معنى الجمع لدلالة السياق عليه.
والثالث : أن كل فرقة منهم وراء جدار لا أنهم كلهم وراء جدار.
والباقون قرأوا :«جُدُر » - بضمتين - اعتباراً بأن كل فرقة وراء جدار، فجمع لذلك.
وقرأ الحسن وأبو(٧) رجاء وابن وثاب والأعمش، ويروى عن ابن كثير وعاصم : بضمة وسكون ؛ وهي تخفيف الأولى، وقرأ ابن كثير - أيضاً(٨) - في رواية هارون عنه، وهي قراءة كثير من المكيين :«جَدْر » بفتحة وسكون.
فقيل : هي لغة في الجدار.
وقال ابن عطية(٩) : معناه أصل بنيات كالسور ونحوه : قال : ويحتمل أن يكون من جَدْر النخيل أي من وراء نخيلهم. يقال : أجدر النخل إذا طلعت رءوسه أول الربيع. والجدر : نبت، واحده جدرة.
وقرئ(١٠) :«جَدَرٌ » - بفتحتين - حكاها الزمخشري.
وهي لغة في الجدار أيضاً.
وقرئ :«جُدْر » - بضم الجيم وإسكان الدَّال - جمع الجدار.
قال القرطبي(١١) : ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف «كتاب » وفي الجمع كألف «ظِراف » ومثله «ناقة هجان، ونوق هجان » لأنك تقول في التثنية «هجانان »، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى.
قاله ابن جني(١٢).
قوله :﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾، «بَيْنَهُمْ » متعلق ب «شديد » و«جميعاً » مفعول ثانٍ، أي : مجتمعين.
وقوله :﴿وَقُلُوبُهُمْ شتّى﴾. جملة حالية، أو مستأنفة للإخبار بذلك. والعامة على «شتى » بلا تنوين، لأنها ألف تأنيث.
ومن كلامهم :«شَتَّى تئوب الحلبة » أي متفرقين(١٣).
وقال آخر :[ الطويل ]
وقرأ مبشر(١٥) بن عبيد :«شَتًّى » منونة، كأنه جعلها ألف الإلحاق.
وفي قراءة ابن مسعود :«وقُلُوبُهُمْ أشتُّ »(١٦) يعني أشد تشتيتاً أي أشد اختلافاً.
معنى ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي : عداوة بعضهم لبعض. قاله ابن عباس.
وقال مجاهد :﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالكلام والوعيد لنفعلن كذا(١٨).
وقال السُّدي : المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحدٍ(١٩).
وقيل :﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ إذا لم يلقوا عدوًّا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لقوا العدو انهزموا.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾، يعني اليهود والمنافقين. قاله مجاهد. وعنه أيضاً : يعني المنافقين.
وقال الثوري : هم المشركون وأهل الكتاب.
وقال قتادة :﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ أي : مجتمعين على أمْر ورأي. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتّى﴾ : أي : متفرقة فأهل الباطل مختلفة آراؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق(٢٠).
وعن مجاهد أيضاً : أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا يقوي أنفس المؤمنين عليهم(٢١) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي : ذلك التشتيت والكفر بأنهم قوم لا يعقلون أمر الله.
وقيل : لا يعقلون ما فيه الحظ لهم. وقيل : لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم(٢٢).
قوله :«جَمِيعاً » حال، و﴿إِلاَّ فِي قُرًى﴾ متعلق ب «يُقَاتِلُونَكُمْ »(٤).
وقوله :«جُدُرٍ ».
قرأ ابن كثير(٥) وأبو عمرو :«جدار » بالإفراد. وفيه أوجه(٦) :
أحدها : أنه السُّورُ، والسُّورُ الواحد يعم الجميع من المقاتلة ويسترهم.
والثاني : أنه واحد في معنى الجمع لدلالة السياق عليه.
والثالث : أن كل فرقة منهم وراء جدار لا أنهم كلهم وراء جدار.
والباقون قرأوا :«جُدُر » - بضمتين - اعتباراً بأن كل فرقة وراء جدار، فجمع لذلك.
وقرأ الحسن وأبو(٧) رجاء وابن وثاب والأعمش، ويروى عن ابن كثير وعاصم : بضمة وسكون ؛ وهي تخفيف الأولى، وقرأ ابن كثير - أيضاً(٨) - في رواية هارون عنه، وهي قراءة كثير من المكيين :«جَدْر » بفتحة وسكون.
فقيل : هي لغة في الجدار.
وقال ابن عطية(٩) : معناه أصل بنيات كالسور ونحوه : قال : ويحتمل أن يكون من جَدْر النخيل أي من وراء نخيلهم. يقال : أجدر النخل إذا طلعت رءوسه أول الربيع. والجدر : نبت، واحده جدرة.
وقرئ(١٠) :«جَدَرٌ » - بفتحتين - حكاها الزمخشري.
وهي لغة في الجدار أيضاً.
وقرئ :«جُدْر » - بضم الجيم وإسكان الدَّال - جمع الجدار.
قال القرطبي(١١) : ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف «كتاب » وفي الجمع كألف «ظِراف » ومثله «ناقة هجان، ونوق هجان » لأنك تقول في التثنية «هجانان »، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى.
قاله ابن جني(١٢).
قوله :﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾، «بَيْنَهُمْ » متعلق ب «شديد » و«جميعاً » مفعول ثانٍ، أي : مجتمعين.
وقوله :﴿وَقُلُوبُهُمْ شتّى﴾. جملة حالية، أو مستأنفة للإخبار بذلك. والعامة على «شتى » بلا تنوين، لأنها ألف تأنيث.
ومن كلامهم :«شَتَّى تئوب الحلبة » أي متفرقين(١٣).
وقال آخر :[ الطويل ]
| إلَى اللَّهِ أشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ العَصَا | هِيَ اليَوْمَ شَتَّى، وهيَ أمْسِ جَمِيعُ(١٤) |
وفي قراءة ابن مسعود :«وقُلُوبُهُمْ أشتُّ »(١٦) يعني أشد تشتيتاً أي أشد اختلافاً.
فصل في معنى الآية(١٧)
معنى ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي : عداوة بعضهم لبعض. قاله ابن عباس.
وقال مجاهد :﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالكلام والوعيد لنفعلن كذا(١٨).
وقال السُّدي : المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحدٍ(١٩).
وقيل :﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ إذا لم يلقوا عدوًّا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لقوا العدو انهزموا.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾، يعني اليهود والمنافقين. قاله مجاهد. وعنه أيضاً : يعني المنافقين.
وقال الثوري : هم المشركون وأهل الكتاب.
وقال قتادة :﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ أي : مجتمعين على أمْر ورأي. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتّى﴾ : أي : متفرقة فأهل الباطل مختلفة آراؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق(٢٠).
وعن مجاهد أيضاً : أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا يقوي أنفس المؤمنين عليهم(٢١) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي : ذلك التشتيت والكفر بأنهم قوم لا يعقلون أمر الله.
وقيل : لا يعقلون ما فيه الحظ لهم. وقيل : لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم(٢٢).
١ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٥٢..
٢ سقط من: أ..
٣ ينظر: القرطبي ١٨/٢٤..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٨..
٥ ينظر: الحجة ٦/٢٨٣، وإعراب القراءات ٢/٢٥٧، وحجة القراءات ٧٠٥، والعنوان ١٨٨، وشرح الطيبة ٦/٤٩، وشرح شعلة ٦٠١، وإتحاف ٢/٥٣١..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٨٩، والبحر المحيط ٨/٢٤٧، والدر المصون ٦/٢٩٨..
٨ السابق..
٩ المحرر الوجيز ٥/٢٨٩..
١٠ ينظر: الكشاف ٤/٥٠٧، والدر المصون ٦/٢٩٧..
١١ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٤..
١٢ ينظر: المحتسب ٢/٣١٧..
١٣ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٨..
١٤ ينظر: القرطبي ١٨/٢٥، والبحر ٨/٢٤٨، والدر المصون ٦/٢٩٨..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٤٨، والدر المصون ٦/٢٩٨..
١٦ ينظر: السابق، والقرطبي ١٨/٢٥..
١٧ ينظر: القرطبي ١٨/٢٤..
١٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٢٤)..
١٩ ينظر المصدر السابق..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٥)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٦)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٥)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٢٢ ينظر القرطبي ١٨/٢٤، والرازي ٢٩/٢٥٢..
٢ سقط من: أ..
٣ ينظر: القرطبي ١٨/٢٤..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٨..
٥ ينظر: الحجة ٦/٢٨٣، وإعراب القراءات ٢/٢٥٧، وحجة القراءات ٧٠٥، والعنوان ١٨٨، وشرح الطيبة ٦/٤٩، وشرح شعلة ٦٠١، وإتحاف ٢/٥٣١..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٨٩، والبحر المحيط ٨/٢٤٧، والدر المصون ٦/٢٩٨..
٨ السابق..
٩ المحرر الوجيز ٥/٢٨٩..
١٠ ينظر: الكشاف ٤/٥٠٧، والدر المصون ٦/٢٩٧..
١١ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٤..
١٢ ينظر: المحتسب ٢/٣١٧..
١٣ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٨..
١٤ ينظر: القرطبي ١٨/٢٥، والبحر ٨/٢٤٨، والدر المصون ٦/٢٩٨..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٤٨، والدر المصون ٦/٢٩٨..
١٦ ينظر: السابق، والقرطبي ١٨/٢٥..
١٧ ينظر: القرطبي ١٨/٢٤..
١٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٢٤)..
١٩ ينظر المصدر السابق..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٥)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٦)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٥)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٢٢ ينظر القرطبي ١٨/٢٤، والرازي ٢٩/٢٥٢..