تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة﴾ قوله :﴿جميعا﴾ أي لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب جميعا معا، وإنهم ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال.
[ واحتمل أن يكون هذا استثناء عن القتال ](١) واحتمل أن يكون استثناء عن الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب. فإن كان عن القتال فهو يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى وحصون أو من وراء جدر، لا يعلم بهم أهل الإسلام، والله أعلم.
وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضا :
أحدهما : أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة.
ألا ترى ما أخبر الله تعالى فيهم في ناحية المسلمين :﴿وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم﴾ ؟ [الأحزاب: ٢٠] فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما أظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال : التجؤوا إلى مكان، يستمعون من أخبارهم. فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون أهل الكتاب.
والوجه الثاني : أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة، يتربصون لمن يكون الظفر والعاقبة كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله تعالى :﴿الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين /٥٦١ – ب / نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾[النساء: ١٤١] فأخبر الله تعالى أنهم يتربصون العاقبة، فالتجؤوا هم إلى قرى محصنة ؛ يجوز أن يكون بهذا التأويل، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بأسهم بينهم شديد﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يقول :﴿بأسهم﴾ يعني قوتهم﴿بينهم شديد﴾ ما لم يروا [ عداء ظاهرا ](٢).
[ والثاني ](٣) : يقول :﴿بأسهم﴾ شديد ما دام القتال بينهم، لأنه ليس فيهم من أكرم [ بالنصر ](٤) بالرعب مسيرة شهرين(٥). فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير فلا يحرم ذلك في أهل قريته.
وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته.
فإذا اختلفت همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم ؛ وذلك معنى قوله :﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلا هؤلاء﴾ ( النساء : ١٤٣ ) يعني في الهمم والقلوب.
وقوله تعالى :﴿ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ يحتمل ثلاثة أوجه.
أحدها : أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد.
والثاني : أنهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث : أنهم لا يعقلون لمن تكون له العاقبة
وقد وصفنا أن عادتهم التربص لمن يكون الظفر والعاقبة ؛ فإذا شبهت عليهم العاقبة، ولم يفعلوها، لم يوالوا واحدا من الفريقين في الظاهر والباطن جميعا، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: أعداء ظاهرة..
٣ في الأصل و م: أو..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ إشارة إلى قوله ﴿نصرت بالرعب مسيرة شهرين﴾ [ الطبراني في الكبير: ٥٦. ١١]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى