تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ يحتمل هذا، والله أعلم ﴿وإن من شيء﴾ يخزن في الخلق ﴿إلا عندنا خزائنه﴾ أي إلا عندنا تلك الخزائن، أي ما تحزنون من الأشياء فذلك(١) عندنا، وفي خزائننا.
[ وقوله تعالى ](٢) :﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ على هذا ﴿وما ننزله﴾وما نعطيه﴿إلا بقدر معلوم﴾ أي وإن كان عندكم مخزونا محبوسا [ فإن ذلك كله من ](٣) خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.
ويحتمل قوله :﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ الخزائن، وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض. نقول، والله أعلم، ﴿وإن من شيء﴾ كان في بواطن الأرض وأمكنة خفية ﴿إلا عندنا﴾ تدبير ذلك وعلمه ؛ يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من لأمكنة(٤) كهو في الظاهر ؛ لا يخرج شيء عن تدبيره، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.
وقال الحسن :﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ أي الماء الذي به جعل حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه فهو خزانة(٥) الأشياء كلها، وقوام كل شيء، وقال : ألا ترى أنه قال :﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ وذكر الأنزال، وهو الذي ينزل من السماء ظاهرا ؟.
هذا الذي قاله محتمل. لكن تمامه أن يقال : إن الماء خزائنه والخزائن، هي [ المواضيع التي ](٦) تخزن فيه.
وفي الماء قوة ومعنى، يكون فيه حياة الخلق ومنافعهم في ما جعل فيه لا في نفس الماء.
ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر، فتظهر منافعه في غصونها في أعلاها ؟ فثبت أن فيه قوة سرية ومعنى، تكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.
ثم ما ذكر من الخزائن والرياح والماء والمطر وغير ذلك من النعم يذكر على الاحتجاج عليهم، لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء وخلقها لهؤلاء لا أنه أنشأها لنفسها. فإذا كان أنشأها لهم، فلا يحتمل أن يتركهم، ولا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم، ولا يجعل لهم عاقبة، يثابون، ويعاقبون. ولذلك قال في آخر :﴿وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم﴾ ( الحجر : ٢٥ ).
وقوله تعالى :﴿إلا بقدر معلوم﴾ على التأويل الأول ما ذكرنا، أي ما نعطيه ﴿إلا بقدر معلوم﴾ وإن خزنه، وحبسه / ٢٧٦ – أ / ويحتمل ﴿إلا بقدر معلوم﴾ بقدر سابق معلوم ذلك، أي إن كان على هذا فإنه يدل على أن ( ما )(٧) يكون، ويحدث، إنما يكون بقدر سابق، لا يكون غير ما سبق تقديره، أو ﴿بقدر معلوم﴾ محدود، أي ليس ينزل جزافا، ولكن معلوما محدودا، والله أعلم.
١ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل: فإنه ذلك كل، في م: فإن ذلك كله..
٤ من م، في الأصل: الأرض..
٥ في الأصل: خزائنه..
٦ في الأصل وم: الموضع الذي..
٧ من م، ساقطة من الأصل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى