التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال - تعالى - :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾.
أى : ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من وراء الحجرات، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من الأدب، لكان صبرهم خبرا لهم ﴿والله﴾ - تعالى - ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أى : واسع المغفرة والرحمة.
قال صاحب الكشاف : يحكى عن أبى عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال : ما دققت باب عالم قط، حتى يخرج فى وقت خروجه.
وقوله :﴿أَنَّهُمْ صَبَرُواْ﴾ فى موضع رفع على الفاعلية، لأن المعنى : ولو ثبت صبرهم.
فإن قلت : هل من فرق بين قوله ﴿حتى تَخْرُجَ﴾ وإلى أن تخرج ؟
قلت : إن " حتى " مختصة بالغاية المضروبة، تقول : أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت : حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و " إلى " عامة فى كل غاية، فقد أفادت " حتى " بوضعها : أن خروج رسول الله - ﷺ - إليهم غاية قد ضرب لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه.
فإن قلت : فأى فائدة فى قوله ﴿إِلَيْهِمْ﴾ ؟ قلت : فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم.
هذا والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد رسمت للمؤمنين أسمى ألوان الأدب فى مخاطبتهم لرسول الله - ﷺ - وفى إلزامهم بألا يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا، يتعلق بشأن من شئون دينهم إلا بعد معرفتهم بأن هذا القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعى، شرعه الله - تعالى - ورسوله - ﷺ -.
كما أنه يراها قد مدحت الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - ﷺ - وذمت الذين لا يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو ندائه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى