فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك﴾ منصوب على الحال من مفعول جزاهم، والعامل فيها «جزى »، ولا يعمل فيها صبروا، لأن الصبر إنما كان في الدنيا، وجوّز أبو البقاء أن يكون صفة لجنة. قال الفرّاء : وإن شئت جعلت «متكئين » تابعاً، كأنه قال : جزاهم جنة ﴿متكئين﴾ فيها. وقال الأخفش : يجوز أن يكون منصوباً على المدح، والضمير من ﴿فيها﴾ يعود إلى الجنة، والأرائك : السرر في الحجال، وقد تقدّم تفسيرها في سورة الكهف ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ الجملة في محل نصب على الحال من مفعول جزاهم، فتكون من الحال المترادفة، أو من الضمير في متكئين، فتكون من الحال المتداخلة، أو صفة أخرى لجنة، والزمهرير : أشدّ البرد، والمعنى : أنهم لا يرون في الجنة حرّ الشمس ولا برد الزمهرير، ومنه قول الأعشى :
وقال ثعلب : الزمهرير القمر بلغة طيّ، وأنشد لشاعرهم :
ويروى ما ظهر : أي لم يطلع القمر، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة مريم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : الزمهرير هو البرد الشديد. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«اشتكت النار إلى ربها فقالت : ربّ أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين : نفساً في الصيف، ونفساً في الشتاء، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون في الصيف من الحرّ من سمومها». وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السريّ وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله :﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظلالها﴾ قال : قريبة ﴿وَذُلّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ قال : إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أيّ حال شاءوا. وفي لفظ قال : ذللت فيتناولون منها كيف شاءوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال :﴿ءانِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾ وصفاؤها كصفاء القوارير ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ قال : قدّرت للكف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي عنه قال : لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : ليس في الجنة شيء إلاّ وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلاّ قوارير من فضة. وأخرج الفريابي عنه أيضاً في قوله :﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ قال : أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون شيئًا ولا يشتهون بعدها شيئًا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ قال : قدّرتها السقاة. وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ابن عمرو قال : إن أدنى أهل الجنة منزلاً من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه، وتلا هذه الآية ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾.
| منعمة طفلة كالمها | لم تر شمساً ولا زمهريراً |
| وليلة ظلامها قد اعتكر | قطعتها والزمهرير ما زهر |