اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية.
لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ :
منها : أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي : أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد ﷺ ثمَّ كفروا بها ؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة ؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن ؛ فقال :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾، أي : ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ.
قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ : في هذا الجار ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلق ب " أنْزَلْنَاهُ "، و الباء سببية، أي : أنزلناه بسبب الحقِّ.
والثاني : أنه حال من مفعول " أنْزَلنَاهُ "، أي : ومعه الحقُّ.
فتكون الباء بمعنى " مَعَ " قاله الفارسي ؛ كما تقول : نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه.
والثالث : أنه حال من فاعله، أي : ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف.
والضمير في " أنْزلْنَاهُ " الظاهر عوده للقرآن : إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك ﴿على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: ٨٨] ؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً ؛ لدلالة الحال عليه ؛ كقوله تعالى :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وقيل : يعود على موسى ؛ كقوله :﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: ٢٥]، وقيل : على الوعد، وقيل : على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده ؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان.
قوله :" وبالحقِّ نَزلَ " فيه الوجهان الأولان، دون الثالث ؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير : نزل بالحقِّ ؛ كما تقول : نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير : فالحق محمد ﷺ. وفي هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها للتأكيد ؛ وذلك أنه يقال : أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل ؛ فجيء بقوله " وبالحقِّ نَزلَ " ؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل : ليست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والأمر والنهي، وقال الزمخشري :" وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة ؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين "، و " مبشِّراً ونذيراً " : حالان من مفعول " أرْسلْنَاكَ " مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [ شيءٌ ](١).
لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ :
منها : أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي : أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد ﷺ ثمَّ كفروا بها ؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة ؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن ؛ فقال :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾، أي : ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ.
قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ : في هذا الجار ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلق ب " أنْزَلْنَاهُ "، و الباء سببية، أي : أنزلناه بسبب الحقِّ.
والثاني : أنه حال من مفعول " أنْزَلنَاهُ "، أي : ومعه الحقُّ.
فتكون الباء بمعنى " مَعَ " قاله الفارسي ؛ كما تقول : نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه.
والثالث : أنه حال من فاعله، أي : ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف.
والضمير في " أنْزلْنَاهُ " الظاهر عوده للقرآن : إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك ﴿على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: ٨٨] ؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً ؛ لدلالة الحال عليه ؛ كقوله تعالى :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وقيل : يعود على موسى ؛ كقوله :﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: ٢٥]، وقيل : على الوعد، وقيل : على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده ؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان.
قوله :" وبالحقِّ نَزلَ " فيه الوجهان الأولان، دون الثالث ؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير : نزل بالحقِّ ؛ كما تقول : نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير : فالحق محمد ﷺ. وفي هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها للتأكيد ؛ وذلك أنه يقال : أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل ؛ فجيء بقوله " وبالحقِّ نَزلَ " ؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل : ليست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والأمر والنهي، وقال الزمخشري :" وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة ؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين "، و " مبشِّراً ونذيراً " : حالان من مفعول " أرْسلْنَاكَ " مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [ شيءٌ ](١).
١ سقط من ب..