الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿خِطْئاً﴾ : قرأ ابن ذكوان :" خَطَّأً " بفتح الخاءِ والطاءِ مِنْ غيرِ مَدّ، وابنُ كثير بكسرِ الخاء والمدّ، ويلزمُ منه فتحُ الطاء، والباقون بالكسرِ وسكونِ الطاء.
فأمَّا قراءةُ ابنِ ذكوان فَخَرَّجها الزجَّاج على وجهين : أحدهما : أن يكونَ مصدرٍ مِنْ أَخطأ يُخْطِىء خَطَأً، أي : إخطاءً، إذا لم يُصِبْ. والثاني : أن يكونَ مصدرَ خَطِئَ يَخْطَأُ خَطَأً، إذا لم يُصِبْ أيضاً، وأنشد :
والناسُ يَلْحَوْن الأميرَ إذا هُمُخَطِئوا الصوابَ ولا يُلام المُرْشِدُ
والمعنى على هذين الوجهين : أنَّ قَتْلهم كان غيرَ صواب. واستبعد قومٌ هذه القراءةَ قالوا : لأن الخطأ ما لم يُتَعَمَّدْ فلا يَصِحُّ معناه ههنا.
قلت : وخفي عنهم أن يكونَ بمعنى أخطأ، أو أنه يقال :" خَطِئ " إذا لَمْ يُصِبْ.
وأمَّا قراءةُ ابنِ كثير فهي مصدرٌ خاطَأَ يُخاطِئ خِطاءً مثل : قاتَلَ يُقاتِل قِتالاً. قال أبو علي :" هي مصدرُ خاطَأَ يُخاطِئ، وإنْ كنَّا لم نجدْ " خاطَأَ " ولكنْ وَجَدْنا تخاطَأَ وهو مطاوِعُ " خاطَأَ " فَدَلَّنا عليه، ومنه قولُ الشاعر :
تخاطَأَتِ النَّبْلُ أَحْشاءَهوأخَّر يَوْمِي فلم يَعْجَلِ
وقال الآخر :
تخاطأَه القَنَّاصُ حتى وَجَدْتُهوخُرْطُوْمُه في مَنْقَعِ الماءِ راسِبُ
فكأنَّ هؤلاء الذين يَقْتُلون أولادَهم يُخاطِئُون الحقَّ والعَدل.
وقد طَعَنَ قومٌ على هذه القراءةِ حتى قال أبو جعفر :" لا أَعْرِفُ لهذه القراءةِ وجهاً "، ولذلك جعلها أبو حاتم غَلَطاً. قلت : قد عَرَفه غيرُهما ولله الحمدُ.
وأمَّا قراءةُ الباقين فخي جيدةٌ واضحةٌ لأنها مِنْ قولهم : خَطِئ يَخْطَأُ خِطْئاً، كأَثِمَ يَأثَمُ إثْماً، إذا تَعَمَّد الكذبَ.
وقرأ الحسن :" خَطاء " بفتح الخاء والمدّ وهو اسمُ مصدر " أَخْطَأَ " كالعَطاء اسمٌ للإِعطاء.
وقرأ أيضاً " خَطا " بالقصرِ، وأصلُه " خَطَأ " كقراءةِ ابن ذَكْوان، إلا أنه سَهَّل الهمزةَ بإبدالها ألفاً فَحُذِفت كعَصا.
وأبو رجاءٍ والزُّهْريُّ كذلك، إلا أنهما كسرا الخاء ك " زِنَى " وكلاهما مِنْ خَطِئ في الدِّين، وأَخْطأ في الرأي، وقد يُقام كلٌّ منهما مقامَ الآخرَ.
وقرأ ابنُ عامرٍ في روايةٍ " خَطْئَاً " بالفتح والسكون والهمزِ، مصدرُ " خَطِئ " بالكسرِ.
وقرأ ابنُ وثاب والأعمشُ " تُقَتِّلوا "، و " خِشْية " بكسرِ الخاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى