جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُم إنّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾.
يقول تعالى ذكره : وَقَضَى رَبّكَ يا محمد ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ وَبالوَالِدَيْنِ إحْسانا، وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ فموضع تقتلوا نُصب عطفا على ألا تعبدوا.
ويعني بقوله : خَشْيَةَ إمْلاقٍ خوف إقتار وفقر. وقد بيّنا ذلك بشواهده فيما مضى، وذكرنا الرواية فيه. وإنما قال جلّ ثناؤه ذلك للعرب، لأنهم كانوا يقتلون الإناث من أولادهم خوف العيلة على أنفسهم بالإنفاق عليهن، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَة إمْلاقٍ : أي خشية الفاقة، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفاقة، فوعظهم الله في ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله، فقال : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُمْ إنّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبيرا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة خَشْيَة إمْلاقٍ قال : كانوا يقتلون البنات.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَة إمْلاقٍ قال : الفاقة والفقر.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله خَشْيَة إمْلاقٍ يقول : الفقر.
وأما قوله : إنّ قَتْلَهُمْ كان خِطْأً كَبِيرا فإن القراء اختلفت في قراءته فقرأته عامّة قراء أهل المدينة والعراق إنّ قَتْلَهُمْ كان خِطْأً كَبِيرا بكسر الخاء مِن الخطإِ وسكون الطاء. وإذا قرىء ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون اسما من قول القائل : خَطِئت فأنا أَخْطَأ، بمعنى : أذنبت وأثمت. ويُحكى عن العرب : خَطِئتَ : إذا أذنبتَ عمدا، وأخطأت : إذا وقع منك الذنب خَطَأ على غير عمد منك له. والثاني : أن يكون بمعنى خَطَأ بفتح الخاء والطاء، ثم كسرت الخاء وسكنت الطاء، كما قيل : قِتْب وقَتَب وحَذَر وحِذْر، ونَجِس ونَجَس. والخِطْء بالكسر اسم، والخَطَأ بفتح الخاء والطاء مصدر من قولهم : خَطِىء الرجل وقد يكون اسما من قولهم : أخطأ. فأما المصدر منه فالإخطاء. وقد قيل : خَطِىء، بمعنى أخطأ، كما قال الشاعر :
*** يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاهِلا ***
بمعنى : أخطأن. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل المدينة :«إنّ قَتْلَهُمْ كانَ خَطَأً » بفتح الخاء والطاء مقصورا على توجيهه إلى أنه اسم من قولهم : أخطأ فلان خطأ. وقرأه بعض قراء أهل مكة :«إنّ قَتْلهُمْ كان خَطاءً » بفتح الخَاء والطاء، ومدّ الخَطَاء بنحو معنى من قرأه خطأ بفتح الخاء والطاء، غير أنه يخالفه في مدّ الحرف.
وكان عامة أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة وبعض البصريين منهم يرون أن الخِطْء والخَطَأ بمعنى واحد، إلاّ أن بعضهم زعم أن الخِطْء بكسر الخاء وسكون الطاء في القراءة أكثر، وأَن الخطأ بفتح الخاء والطاء في كلام الناس أفشى، وأنه لم يسمع الخِطْء بكسر الخاء وسكون الطاء، في شيء من كلامهم وأشعارهم، إلا في بيت أنشده لبعض الشعراء :
| الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبِرّ نافِلَةٌ | كعَجْوَة غُرِسَتْ فِي الأرْضِ تُؤْتَبرُ |
وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، القراءة التي عليها قراء أهل العراق، وعامة أهل الحجاز، لإجماع الحجة من القراء عليها، وشذوذ ما عداها. وإن معنى ذلك كان إثما وخطيئة، لا خَطَأ من الفعل، لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدا لا خطأ، وعلى عمدهم ذلك عاتبهم ربهم، وتقدم إليهم بالنهي عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد خِطْأً كَبِيرا قال : أي خطيئة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد إنّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرا قال : خطيئة. قال ابن جريج، وقال ابن عباس : خِطأ : أي خطيئة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾
يقول تعالى ذكره: (وَقَضَى رَبُّكَ) يا محمد (أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) فموضع تقتلوا نصب عطفا على ألا تعبدوا.
ويعني بقوله (خَشْيَةَ إمْلاقٍ) خوف إقتار وفقر، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى، وذكرنا الرواية فيه، وإنما قال جلّ ثناؤه ذلك للعرب، لأنهم كانوا يقتلون الإناث من أولادهم خوف العيلة على أنفسهم بالإنفاق عليهن.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد، عن قتادة، قوله (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) : أي خشية الفاقة، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفاقة، فوعظهم الله في ذلك، وأخبرهم أن رزقهم ورزق أولادهم على الله، فقال (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (خَشْيَةَ إمْلاقٍ) قال: كانوا يقتلون البنات.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) قال: الفاقة والفقر.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (خَشْيَة إِمْلاقٍ) يقول: الفقر.
وأما قوله (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) فإن القراء اختلفت في قراءته؛ فقرأته عامَّة قراء أهل المدينة والعراق (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) بكسر الخاء من الخطإ وسكون الطاء، وإذا قرئ ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون اسما من قول القائل: خَطِئت فأنا أَخْطَأ، بمعنى: أذنبت وأثمت. ويُحكى عن العرب: خَطِئتُ: إذا أذنبتَ عمدا، وأخطأت: إذا وقع
يا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا (١)
بمعنى: أخطأن. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل المدينة: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَأً) بفتح الخاء والطاء مقصورا على توجيهه إلى أنه اسم من قولهم: أخطأ فلان خطأ. وقرأه بعض قراء أهل مكة: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَاءً) بفتح الخَاء والطاء، ومد الخَطَاء بنحو معنى من قرأه خطأ بفتح الخاء والطاء، غير أنه يخالفه في مدّ الحرف.
وكان عامة أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة وبعض البصريين منهم يرون أن الخطْء والخطأ بمعنى واحد، إلا أن بعضهم زعم أن الخطْء بكسر الخاء وسكون الطاء في القراءة أكثر، وأن الخِطْء بفتح الخاء والطاء في كلام الناس أفشى، وأنه لم يسمع الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء، في شيء من كلامهم وأشعارهم، إلا في بيت أنشده لبعض الشعراء:
| الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبِرُّ نافِلَةٌ | كعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فِي الأرْضِ تُؤْتَبرُ (٢) |
(٢) استشهد المؤلف بهذا البيت على أن بعضهم زعم أن الخطء (بكسر الخاء وسكون الطاء) في القراءة أكثر، وأن الخطأ (بفتح الخاء وسكون الطاء في كلام الناس أفشى، وأنه لم يسمع بكسر الخاء وسكون الطاء في شيء من كلامهم وأشعارهم إلا في بيت أنشده لبعض الشعراء: الخطء فاحشة... إلخ البيت) ولم أقف على البيت ولا قائله في معاني القرآن للفراء، ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة غير أن الفراء قال: قرأ الحسن: خطاء كبيرا بالمد، وقرأ أبو جعفر المدني: خطأ كبيراً، قصر وهمز، وكل صواب. وكأن الخطأ الإثم، وقد يكون في معنى خطأ بالقصر، كما قالوا: قتب وقتب وحذر وحذر ونجس ونجس. ومثله قراءة من قرأ: (هم أولاء على أثري) وإثري. والنافلة: ما يكون زيادة على الفرض. والعجوة: أجود تمر المدينة، كما في اللسان وتؤتبر: تصلح بالإبار، ليجود ثمرها.