غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
﴿كل ذلك كان سيئه﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله :﴿لا تجعل مع الله إلهاً آخر﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله. ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط. ومن قرأ ﴿سيئة﴾ على التأنيث فقوله :﴿كل ذلك﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة. وقيل : إن الكلام قد تم عند قوله :﴿وأحسن تأويلاً﴾ وقوله :﴿كل ذلك﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله :﴿ولا تقف﴾ ﴿ولا تمش﴾ وإنما قال :﴿سيئة﴾ على التأنيث مع قوله :﴿مكروهاً﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم. قالت المعتزلة : الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله تعالى لأنها مكروهة عنده. وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال. أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية وأجيب بأنه لا بأس بالتكرار لأجل التأكيد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : خاطب نبيه ﷺ ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال :﴿لا تجعل مع الله إلها آخر﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً :﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه﴾ وإنما قال :﴿ربك﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿وبالوالدين﴾ والد الروح ووالدة البدن. والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿أما يبلغن عندك﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ولا تنهرهما﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم﴾ من الاستعداد ﴿أن تكونوا صالحين﴾ مستعدين للخلافة ﴿فإنه كان للأوابين﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿غفوراً﴾ سائراً بأنوار جماله. ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿وآت ذا القربى﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.