جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصّلاَةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إِلَىَ غَسَقِ الْلّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾.


يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : أقِمِ الصّلاةَ يا محمد لِدُلُوكِ الشّمْسِ.
واختلف أهل التأويل في الوقت الذي عناه الله بدلوك الشمس، فقال بعضهم : هو وقت غروبها، والصلاة التي أمر بإقامتها حينئذٍ : صلاة المغرب. ذكر من قال ذلك :
حدثني واصل بن عبد الأعلى الأسدي، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أبي إسحاق، يعني الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه كان مع عبد الله بن مسعود، على سطح حين غربت الشمس، فقرأ : أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَق اللّيل، حتى فرغ من الآية، ثم قال : والذي نفسي بيده إن هذا لَحِينَ دَلَكَتِ الشمس وأفطر الصائم ووقت الصلاة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، أن أبا عُبيدة بن عبد الله كتب إليه أن عبد الله بن مسعود كان إذا غربت الشمس صلّى المغرب، ويفطر عندها إن كان صائما، ويقسم عليها يمينا ما يقسمه على شيء من الصلوات بالله الذي لا إله إلاّ هو، إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ويقرأ فيها تفسيرها من كتاب الله أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكَ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال : هذا دلوك الشمس، وهذا غسق الليل، وأشار إلى المشرق والمغرب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال : قال ابن عباس : دلوك الشمس : غروبها، يقول : دلكت براح.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله، أنه قال : حين غربت الشمس دلكت، يعني براح مكانا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : دلوكها : غروبها.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : قد ذكر لنا أن ابن مسعود كان يصليها إذا وجبت وعندها يفطر إذا كان صائما، ثم يقسم عليها قسما لا يقسمه على شيء من الصلوات بالله الذي لا إله إلاّ هو، إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ثم يقرأ ويصليها وتصديقها من كتاب الله : أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ قال : كان أبي يقول : دلوكها : حين تريد الشمس تغرب إلى أن يغسق الليل، قال : هي المغرب حين يغسق الليل، وتَدلُك الشمس للغروب.
حدثني سعيد بن الربيع، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، سمع عمرو بن دينار أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول : كان عبد الله بن مسعود يصلي المغرب حين يغرب حاجب الشمس، ويحلف أنه الوقت الذي قال الله أقِمِ الصّلاةَ لدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : قال عبد الله حين غربت الشمس : هذا والله الذي لا إله غيره وقت هذه الصلاة. وقال : دلوكها : غروبها.
وقال آخرون : دلوك الشمس : ميلها للزوال، والصلاة التي أمر رسول الله ﷺ بإقامتها عند دلوكها : الظهر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال : دلوكها : ميلها، يعني الشمس.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، قال، في قوله أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْس قال : دلوكها : زوالها.
حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن ابن عمر، في قوله أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ قال : دلوكها : ميلها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة الأسلميّ، قوله أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ قال : إذا زالت.
حدثنا ابن حميد مرة أخرى، قال : حدثنا أبو تميلة، قال : حدثنا الحسين بن واقد، قال : حدثنا سيار بن سلامة الرياحي، قال : أتيت أبا برزة فسأله والدي عن مواقيت صلاة رسول الله ﷺ، قال : كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا : أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ.
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن، قال : قال الله عزّ وجلّ لنبيه محمد ﷺ أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ قال : الظهر دلوكها، إذا زالت عن بطن السماء، وكان لها في الأرض فَيْء.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله أقِمِ الصّلاةَ لدُلُوكِ الشّمْسِ قال : دلوكها : زوالها.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن أبي جعفر في أقِمِ الصّلاةَ لِدِلُوكِ الشّمْسِ قال : لزوال الشمس.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن ابن عباس، قال دلوك الشمس : زيغها بعد نصف النهار، يعني الظلّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : دلوك الشمس، قال : حين تزيغ عن بطن السماء.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله أقِمِ الصّلاةَ لِدِلُوكِ الشّمْسِ أي إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لِدُلُوكِ الشّمْسِ قال : حين تزيغ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال : دلوك الشمس : حين تزيغ.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بقوله أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ : صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك في كلام العرب : الميل، يقال منه : دلك فلان إلى كذا : إذا مال إليه. ومنه الخبر الذي روي عن الحسن أن رجلاً قال له : أيُدالك الرجل امرأته ؟ يعني بذلك : أيميل بها إلى المماطلة بحقها. ومنه قول الراجز :
هَذَا مَقامُ قَدَميْ رَباحِغُدْوَةَ حتى دَلَكَتْ بِرَاحِ
ويروى : براح بفتح الباء، فمن روى ذلك : بِراح، بكسر الباء، فإنه يعني : أنه يضع الناظر كفه على حاجبه من شعاعها، لينظر ما لقي من غيارها. وهذا تفسير أهل الغريب أبي عبيدة والأصمعي وأبي عمرو الشيبانيّ وغيرهم. وقد ذكرت في الخبر الذي رويت عن عبد الله بن مسعود، أنه قال حين غربت الشمس : دلكت براح، يعني : براح مكانا، ولست أدري هذا التفسير، أعني قوله : براح مكانا مِنْ كلام من هو ممن في الإسناد، أو من كلام عبد الله، فإن يكن من كلام عبد الله، فلا شكّ أنه كان أعلم بذلك من أهل الغريب الذين ذكرت قولهم، وأن الصواب في ذلك قوله، دون قولهم، وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك منه، ولما قال أهل الغريب في ذلك شاهد من قول العجاج، وهو قوله :
والشّمْسُ قد كادَتْ تَكُونُ دَنَفاأدْفَعُها بالرّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا
فأخبر أنه يدفع شعاعها لينظر إلى مغيبها براحه. ومن روى ذلك بفتح الباء، فإنه جعله اسما للشمس وكسر الحاء لإخراجه إياه على تقدير قَطامِ وحَذامِ ورَقاشِ، فإذا كان معنى الدلوك في كلام العرب هو الميل، فلا شكَ أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وبذلك ورد الخبر عن رسول الله ﷺ، وإن كان في إسناد بعضه بعض النظر.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا خالد بن مخلد، قال : ثني محمد بن جعفر، قال : ثني يحيى بن سعيد، قال : ثني أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، قال : قال رسول الله ﷺ :«أتانِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السّلامُ لدلوك الشّمْسِ حِينَ زَالَتْ فَصَلّى بِيَ الظّهْرَ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا أبو تميلة، قال : حدثنا الحسين بن واقد، قال : ثني سيار بن سلامة الرياحي، قال : قال أبو بَرزة : كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن جابر بن عبد الله، قال : دعوت نبيّ الله ﷺ ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبيّ ﷺ فقال :«اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ قَدْ دَلَكَتِ الشّمْسُ ».
حدثني محمد بن عثمان الرازي، قال : حدثنا سهل بن بكار، قال : حدثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيح العَنَزِيّ، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ ﷺ، نحو حديث ابن حميد.
فإذا كان صحيحا ما قلنا بالذي به استشهدنا، فبين إذن أن معنى قوله جلّ ثناؤه : أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ أن صلاة الظهر والعصر بحدودهما مما أوجب الله عليك فيهما لأنهما الصلاتان اللتان فرضهما الله على نبيه من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل وغسق الليل : هو إقباله ودنوّه بظلامه، كما قال الشاعر :
*** آبَ هَذَا اللّيْلُ إذْ غَسَقَا ***
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في الصلاة التي أمر رسول الله ﷺ بإقامتها عنده، فقال بعضهم : الصلاة التي أمر بإقامتها عنده صلاة المغرب. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله أقِمِ الصّلاةَ لِدِلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ قال : غسق الليل : بدوّ الليل.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال : سمعت عكرمة سئل عن هذه الاَية : أقِمِ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إلى غَسَقِ اللّيْلِ قال : بدوّ الليل.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : غسق الليل : غروب الشمس.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة غَسَقِ اللّيْلِ : صلاة المغرب.
حدثنا بشر، قال : ح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى