جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمِنَ الْلّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً لّكَ عَسَىَ أَن يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَاماً مّحْمُوداً﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ومن الليل فاسهر بعد نومة يا محمد بالقرآن، نافلة لك خالصة دون أمتك. والتهجد : التيقظ والسهر بعد نومة من الليل. وأما الهجود نفسه : فالنوم، كما قال الشاعر :
| ألا طَرَقْتَنا والرّفاقُ هُجُودُ | فَباتَتْ بِعُلاّتِ النّوَالِ تَجُودُ |
| ألا طَرَقَتْ هِنْدُ الهُنُودِ وُصحْبَتِي | بِحَوْرَانَ حَوَرَانِ الجُنُودِ هُجُودُ |
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن مجاهد بن يزيد، عن أبي هلال، عن الأعرج أنه قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجل من الأنصار، أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال : لأنظرنّ كيف يصلي رسول الله ﷺ، قال : فنام رسول الله ﷺ، ثم استيقظ، فرفع رأسه إلى السماء، فتلا أربع آيات من آخر سورة آل عمران إنّ فِي خَلْقٍ السّمَوَاتِ والأرْضِ وَاخْتِلافِ اللّيْلِ والنّهارِ حتى مرّ بالأربع، ثم أهوى إلى القربة، فأخذ سواكا فاستنّ به، ثم توضأ، ثم صلى، ثم نام، ثم استيقظ فصنع كصنعه أوّل مرّة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله.
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن، قالا : حدثنا سعيد، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن، عن علقمة والأسود أنهما قالا : التهجد بعد نومة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال : التهجد : بعد نومة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال : ثني أبو إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة والأسود، بمثله.
حدثني الحارث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال : التهجد : بعد النوم.
حدثني الحارث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا يزيد، عن هشام، عن الحسن، قال : التهجد : ما كان بعد العشاء الآخرة.
حُدثت عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن كثير بن العباس، عن الحجاج بن عمرو، قال : إنما التهجد بعد رقدة.
وأما قوله نافِلَةً لَكَ فإنه يقول : نفلاً لك عن فرائضك التي فرضتها عليك.
واختُلف في المعنى الذي من أجله خصّ بذلك رسول الله ﷺ، مع كون صلاة كلّ مصلّ بعد هجوده، إذا كان قبل هجوده قد كان أدّى فرائضه نافلة نفلاً، إذ كانت غير واجبة عليه، فقال بعضهم : معنى خصوصه بذلك : هو أنها كانت فريضة عليه، وهي لغيره تطوّع، وقيل له : أقمها نافلة لك : أي فضلاً لك من الفرائض التي فرضتها عليك عما فرضت على غيرك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمِنَ اللّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ يعني بالنافلة أنها للنبيّ ﷺ خاصة، أُمر بقيام الليل وكُتب عليه.
وقال آخرون : بل قيل ذلك له عليه الصلاة والسلام لأنه لم يكن فعله ذلك يكفّر عنه شيئا من الذنوب، لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فكان له نافلة فضل، فأما غيره فهو له كفارة، وليس هو له نافلة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال : النافلة للنبيّ ﷺ خاصة من أجل أنه قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها، فليست للناس نوافل.
وأولى القولين بالصواب في ذلك، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وذلك أن رسول الله ﷺ كان الله تعالى قد خصه بما فرض عليه من قيام الليل، دون سائر أمته. فأما ما ذكر عن مجاهد في ذلك، فقول لا معنى له، لأن رسول الله ﷺ فيما ذُكِر عنه أكثر ما كان استغفارا لذنوبه بعد نزول قول الله عزّ وجلّ عليه لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخّرَ وذلك أن هذه السورة أنزلت عليه بعد مُنْصَرِفَه من الحديبية، وأنزل عليه إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالفَتْحُ عام قبض. وقيل له فيها فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كانَ تَوّابا فكان يُعدّ له ﷺ في المجلس الواحد استغفار مئة مرّة، ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك، فبين إذن وجه فساد ما قاله مجاهد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن شمر، عن عطية، عن شهر، عن أبي أُمامة، قال : إنما كانت النافلة للنبيّ ﷺ خاصة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة نافِلَةً لَكَ قال : تطوّعا وفضيلة لك.
وقوله : عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمودا وعسى من الله واجبة، وإنما وجه قول أهل العلم : عسى من الله واجبة، لعلم المؤمنين أن الله لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على أعمالهم والعوض على طاعتهم إياه ليس من صفته الغرور، ولا شكّ أنه قد أطمع من قال ذلك له في نفعه، إذا هو تعاهده ولزمه، فإن لزم المقول له ذلك وتعاهده ثم لم ينفعه، ولا سبب يحول بينه وبين نفعه إياه مع الأطماع الذي تقدم منه لصاحبه على تعاهده إياه ولزومه، فإنه لصاحبه غارّ بما كان من إخلافه إياه فيما كان أطمعه فيه بقوله الذي قال له. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون جلّ ثناؤه من صفته الغرور لعباده صحّ ووجب أن كلّ ما أطمعهم فيه من طمع على طاعته، أو على فعل من الأفعال، أو أمر أو نهى أمرهم به، أو نهاهم عنه، فإنه موف لهم به، وإنهم منه كالعدة التي لا يخلف الوفاء بها، قالوا : عسى ولعلّ من الله واجبة.
وتأويل الكلام : أقم الصلاة المفروضة يا محمد في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتهجد فرضا فرضته عليك، لعلّ ربك يبعثك يوم القيامة مقاما تقوم فيه محمودا تحمده، وتغبط فيه.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم : ذلك هو المقام الذي هو يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدّة ذلك اليوم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، عن حُذيفة، قال : يجمع الناس في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حُفاة عراة كما خُلقوا، قياما لا تكلّم نفس إلا بإذنه، ينادَى : يا محمد، فيقول :«لبيك وسعديك والخير في يديك، والشرّ ليس إليك، والمهديّ من هَدَيت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تبارك وتعاليت، سبحانك ربّ هذا البيت » فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفر، عن حُذيفة، قال : يُجْمع الناس في صعيد واحد. فلا تَكَلّم نفس، فأوّل ما يدعو محمد النبيّ ﷺ، فيقوم محمد النبيّ ﷺ، فيقول :«لبيك »، ثم ذكر مثله.
حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرقي، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه عن ابن عباس، قوله : عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمودا قال : المقام المحمود : مقام الشفاعة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال : حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها، قال : ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جسر جهنم، فيمرّ الناس بقدر أعمالهم يمرّ أوّلهم كالبرق، وكمرّ الريح، وكمرّ الطير، وكأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمرّ الرجل سعيا، ثم مشيا، حتى يجيء آخرهم يتلبّط على بطنه، فيقول : ربّ لما أبطأت بي، فيقول : إني لم أبطأ بك، إنما أبطأ بك عملك، قال : ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أوّل شافع يوم القيامة جبرئيل عليه السلام، روح القُدس، ثم إبراهيم خليل الرحمن، ثم موسى، أو عيسى، قال أبو الزعراء : لا أدري أيهما قال قال : ثم يقوم نبيكم عليه الصلاة والسلام رابعا، فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي ذكر الله عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمودا.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن في قول الله تعالى وَمِنَ اللّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسَى أنْ يَبْعَثَك رَبّكَ مَقاما مَحْمُودا قال : المقام المحمود : مقام الشفاعة يوم القيامة.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى : وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : مَقاما مَحْمُودا قال : شفاعة محمد يوم القيامة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سليمان، قال : هو الشفاعة، يشفعه الله في أمته، فهو المقام المحمود.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمُودا، وقد ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ خُيّر بين أن يكون نبيا عبدا، أو ملكا نبيا، فأومأ إليه جبرئيل عليه السلام : أن تَوَاضَعْ، فاختار نبيّ الله أن يكون عبدا نبيا، فأُعْطِي به نبيّ الله ثنتين : إنه أوّل من تنشقّ عنه الأرض، وأوّل شافع. وكان أهل العلم يَرَوْن أنه المقام المحمود الذي قال الله تبارك وتعالى عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمُودا شفاعة يوم القيامة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مَقاما مَحْمُودا قال : هي الشفاعة، يشفّعه الله في أمته.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا مَعْمر والثوريّ، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، قال : سمعت حُذيفة يقول في قوله : عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقاما مَحْمُودا قال : يجمع الله الناس في صعيد واحد حيث يُسمعهم الداعي، فَيْنَفُذُهم البصرُ حُفاة عُراة، كما خُلِقوا سكوتا لا تكلّم نفس إلا بإذنه، قال : فينادَى محمد، فيقول : لَبّيك وسَعْديك، والخيرُ في يديك، والشرّ ليس إليك، والمهديّ من