الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِدُلُوكِ﴾ : في هذه اللامِ وجهان، أحدُهما : أنها بمعنى " بَعْد "، أي : بَعْدَ دُلوكِ الشمسِ، ومثلُه قول متمم بن نويرة :
فلمَّا تَفَرَّقْنا كأني ومالِكاًلطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معاً
ومثلُه قولُهم :" كَتَبَتْه لثلاثٍ خَلَوْنَ ". والثاني : أنها على بابها، أي : لأجلِ دُلُوك. قال الواحدي :" لأنها إنما تَجِبُ بزوالِ الشمس ".
والدُّلوك : مصدرُ دَلَكت الشمسُ، وفيه ثلاثةُ أقوالٍ، أشهرُها : أنه الزوالُ، وهو نِصْفُ النهار. والثاني : أنه من الزوال إلى الغروب. قال الزمخشري :" واشتقاقُه من الدَّلْكِ ؛ لأنَّ الإِنسانَ يَدْلُكُ عينَه عند النظرِ إليها ". قلت : وهذا يُفْهِم أنه ليس بمصدرٍ ؛ لأنه جعله مشتقاً من المصدرِ. والثالث : أنه الغروبُ، وأنشد الفراءُ عليه قولَه :
هذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحِذَبَّبَ حتى دَلَكَتْ بَِرَاحِ
أي : غَرَبَتْ بَراحِ، وهي الشمسُ. وأنشد ابن قتيبة على ذلك قولَ ذي الرمة :
مصابيحُ ليسَتْ باللواتي تقودهانُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدوالِكِ
أي : الغارِبات : وقال الراغب : دُلُوْكٌ الشمسِ مَيْلُها للغُروب، وهو مِنْ قولِهم : دَلَكْتُ الشمسَ : دفعتُها بالرَّاح، ومنه : دَلَكْتُ الشيءَ في الراحةِ، ودَلَكْتُ الرجلَ : ماطَلْتُه، والدَّلُوك : ما دَلَكْتَه مِنْ طِيبٍ، والدَّلِيْكُ : طعامٌ يُتَّخذ مِنْ زُبْدٍ وتَمْر ".
قوله :﴿إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ﴾ في هذا الجارِّ وجهان، أحدٌهما : أنه متعلِّقٌ ب أَقِمْ " فهي لانتهاءِ غايةِ الإِقامةِ، وكذلك اللامُ في " لِدُلوك " متعلقةٌ به أيضاً. والثاني : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " الصلاة "، أي : أَقِمْها مَمْدودةً إلى غَسَق الليل، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ : من حيث إنه قَدَّر المتعلِّق كوناً مقيداً، إلا أَنْ يريدَ تفسيرَ المعنى لا الإِعرابِ.
والغَسَقُ : دخولُ أولِ الليل، قاله ابنُ شميل. وأنشد :
إنَّ هذا الليلَ قد غَسَقاواشتكيْتُ الهَمَّ والأرقا
وقيل : هو سَوادُ الليلِ وظُلْمَتُه، وأصلُه من السَّيَلان : غَسَقَتِ العين، أي : سالَ دَمْعُها فكأن الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ على العالَم وتَسِيْل عليهم قال :
ظلَّتْ تجودُ يداها وهي لاهِيَةٌحتى إذا هَجَمَ الإِظْلامُ والغَسَقُ
ويُقال : غَسَقَتِ العينُ : امتلأَتْ دَمْعاً، وغَسَقَ الجرحُ : امتلأَ دَماً، فكأنَّ الظُّلْمَةَ مَلأَتْ الوجودَ. والغاسِقُ في قوله :﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ [الفلق: ٣] قيل : المرادُ به القمرُ إذا كَسَف واسْوَدَّ. وقيل : الليل. والغَساقُ بالتخفيف والتشديدِ ما يَسِيل مِنْ صَديدِ أهل النار. ويُقال : غَسَق الليلُ وأَغْسَقَ، وظَلَمَ وَأَظْلَمَ، ودَجَى وأَدْجَى، وغَبَشَ وأَغْبَشَ، نقله الفرَّاء.
قوله :﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فيه أوجهٌ، أحدها : أنه عطفٌ على " الصلاة "، أي : وأَقِمْ قرآنَ الفجرِ، والمرادُ به صلاةُ الصبحِ، عَبَّر عنها ببعضِ أركانِها. والثاني : أنه منصوبٌ على الإِغراء، أي : وعليك قرآنَ الفجر، كذا قدَّره الأخفشُ وتَبِعه أبو البقاء، وأصولُ البصريين تَأْبَى هذا ؛ لأنَّ أسماءَ الأفعالِ لا تعملُ مضمرةً. الثالث : أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي : كَثِّر قرآنَ أو الزَمْ قرآنَ الفجرِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى