فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما ذكر سبحانه الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات، وهي الصلاة، فقال :﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية المراد بها : الصلوات المفروضة.
وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين : أحدهما : أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه، وأبو هريرة، وأبو برزة، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، واختاره ابن جرير. والقول الثاني : أنه غروب الشمس، قاله علي، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وروي عن ابن عباس. قال الفراء : دلوك الشمس : من لدن زوالها إلى غروبها. قال الأزهري : معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت : دالكة، لأنها في الحالتين زائلة. قال : والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، والمعنى : أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس ﴿إلى غسق الليل﴾ فيدخل فيها الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال :﴿وقرآن الفجر﴾ هذه خمس صلوات. وقال أبو عبيد : دلوكها غروبها، ودلكت براح : يعني الشمس أي : غابت، وأنشد قطرب على هذا قول الشاعر :
هذا مقام قدمي رباحدبَّب حتى دلكت براح
اسم من أسماء الشمس على وزن حذام وقطام، ومن ذلك قول ذي الرمة :
مصابيح ليست باللواتي تقودهانجوم، ولا بالآفلات الدوالك
أي : الغوارب، وغسق الليل : اجتماع الظلمة. قال الفراء والزجاج : يقال غسق الليل وأغسق : إذا أقبل بظلامه، قال أبو عبيد : الغسق : سواد الليل. قال قيس بن الرقيات :
إن هذا الليل قد غسقاواستكنت الهمّ والأرقا
وقيل : غسق الليل : مغيب الشفق، ومنه قول زهير :
ظلت تجود يداها وهي لاهيةحتى إذا جعجع الإظلام والغسق
وأصل الكلمة من السيلان يقال : غسقت : إذا سالت. وحكى الفراء غسق الليل وأغسق، وظلم وأظلم، ودجى وأدجى، وغبش وأغبش، وقد استدل بهذه الغاية، أعني قوله :﴿إلى غسق الليل﴾ من قال : إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، روي ذلك عن الأوزاعي، وأبي حنيفة وجوّزه مالك والشافعي في حال الضرورة، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله ﷺ في تعيين أوقات الصلوات، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك. قوله :﴿وقرآن الفجر﴾ انتصاب ﴿قرآن﴾ لكونه معطوفاً على ﴿الصلاة﴾ أي : وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء. وقال الزجاج والبصريون : انتصابه على الإغراء : أي فعليك قرآن الفجر. قال المفسرون : المراد بقرآن الفجر صلاة الصبح. قال الزجاج : وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآناً، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )، وفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن «وقرآن معها »، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، وقد حررته في مؤلفاتي تحريراً مجوّداً، ثم علّل سبحانه ذلك بقوله :﴿إن قرآن الفجر مشهوداً﴾ أي : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور المفسرين ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود قال :﴿دلوك الشمس﴾ : غروبها، تقول العرب إذا غربت الشمس : دلكت الشمس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي قال : دلوكها : غروبها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس، قال :﴿لِدُلُوكِ الشمس﴾ : لزوال الشمس. وأخرج البزار، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :( دلوك الشمس زوالها ) وضعف السيوطي إسناده. وأخرجه مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عمر من قوله. وأخرج عبد الرزاق عنه قال :( دلوك الشمس : زياغها بعد نصف النهار ). وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن ابن عباس قال : دلوكها : زوالها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه في قوله :﴿لِدُلُوكِ الشمس﴾ قال : إذا فاء الفيء. وأخرج ابن جرير عن أبي مسعود وعقبة بن عمرو قالا : قال رسول الله ﷺ :( أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر ) وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي قال : كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾. وأخرج ابن مردويه من حديث أنس نحوه. ومما يستشهد به على أن الدلوك الزوال وسط النهار ما أخرجه ابن جرير عن جابر قال :( دعوت رسول الله ﷺ ومن شاء من أصحابه يطعمون عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي ﷺ فقال :( اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس )، وفي إسناده رجل مجهول ولكنه أخرجه عنه من طريق أخرى عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنبري، عن جابر فذكر نحوه مرفوعاً. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود في قوله :﴿إلى غسق الليل﴾ قال : إلى العشاء الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال :﴿غَسَقِ الليل﴾ اجتماع الليل وظلمته. وأخرج ابن جرير عنه قال :﴿غَسَقِ الليل﴾ : بدّو الليل. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال : دلوك الشمس : إذا زالت الشمس عن بطن السماء وغسق الليل : غروب الشمس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿وقرآن الفجر﴾ قال : صلاة الصبح. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله :﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ قال :( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها )، وهو في الصحيحين عنه مرفوعاً بلفظ ( تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر )، ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود موقوفاً نحوه. وأخرج الحكيم الترمذي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قرأ رسول الله ﷺ ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ قال :( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ). وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ يعني : خاصة للنبيّ ﷺ، أمر بقيام الليل وكتب عليه. وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في سننه عن عائشة أن النبي ﷺ قال :( ثلاث هنّ عليّ فرائض وهنّ لكم سنّة : الوتر، والسواك، وقيام الليل ) وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي أمامة في قوله :﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ قال : كانت للنبي ﷺ نافلة ولكم فضيلة، وفي لفظ : إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله ﷺ. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله :﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودًا﴾ وسئل عنه، قال :( هو المقام المحمود الذي أشفع فيه لأمتي ). وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال :( يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تلّ، ويكسوني ربى حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ). وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال : إن كل أمة يوم القيامة تتبع نبيها، يقولون : يا فلان، اشفع، يا فلان، اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ، فذلك يوم يبعثه الله مقاماً محموداً. وأخرج عنه نحوه مرفوعاً، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّاً ثابتة في الصحيحين وغيرهما فلا نطيل بذكرها، ومن رام الاستيفاء نظر في أحاديث الشفاعة في الأمهات وغيرها. وأخرج الطبراني في قوله :﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودًا﴾ قال : يجلسه فيما بينه وبين جبريل ويشفع لأمته، فذلك المقام المحمود. وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :( ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾، قال : يجلسني معه على السرير ) وينبغي الكشف عن إسناد هذين الحديثين. وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : كان النبيّ ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله ﴿وَقُل رَبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مخْرَجَ صِدْقٍ واجعل لّي مِن لدُنكَ سلطانا نَصِيرًا﴾. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن قتادة في قوله :﴿وَقُل ربّ أَدْخِلْنِي﴾ الآية، قال : أخرجه الله من مكة مخرج صدق، وأدخله المدينة مدخل صدق. قال : وعلم نبيّ الله أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله وحدوده وفرائضه ولإقامة كتاب الله، فإن السلطان عزة من الله جعلها بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم. وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب قال : والله لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال :( دخل النبيّ ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول :﴿جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا﴾ و﴿جَاء الحق وَمَا يُبْدِئ الباطل وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ قال : تباعد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿كَانَ يَؤوساً﴾ قال : قنوطاً، وفي قوله :﴿كُل يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ قال : على ناحيته. وأخرج هناد، وابن المنذر عن الحسن قال : على شاكلته : على نيته. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال :( كنت أمشي مع النبيّ ﷺ في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب، فمرّ بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض : اسألوه عن الروح، فقال بعضهم : لا تسألوه، فقالوا : يا محمد، ما الروح ؟ فما زال متكئاً على العسيب، فظننت أنه يوحى إليه، فقال :﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم من العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ). وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود : أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، قالوا : سلوه عن الروح، فنزلت ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم من العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قالوا : أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله ﴿قُل لوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: ١٠٩]. وفي الباب أحاديث وآثار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى