تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ومن الليل فتهجد به ) يقال : تهجد إذا قام بعد النوم للصلاة، وهجد إذا نام. قال الأزهري : التهجد : إلقاء الهجور، وهو النوم، وعن علقمة والأسود وغيرهما : أنه لا يكون التهجد إلا بعد النوم.
وقوله :( نافلة لك ) أي : زيادة لك، قيل : هي زيادة لكل أحد فما معنى تخصيص النبي ﷺ بذلك ؟ قلنا : لأنه هي تكفير(١) الذنوب لغيره وزيادة له، لأن ذنوبه مغفورة، وقيل : نافلة لك أي : فريضة عليك، وقد كان عليه القيام بالليل فريضة، وقيل : نافلة لك أي : فضيلة لك، وخص بالذكر، ليكون له السبق في هذه الفضيلة ؛ وليقتدي الناس به فيها.
وقوله :( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ. وفي رواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قرأ قوله :( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) قال :«هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي »(٢) وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال :«أنا سيد الأنبياء إذا بعثوا، وأنا وافدهم إذا تكلموا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا، وأنا إمامهم إذا سجدوا ؛ أقول فليسمع، وأشفع فأشفع، وأسأل فأعطي »(٣).
وعن مجاهد أنه قال : يجلسه على العرش، وعن غيره : يقعده على الكرسي بين يديه، وقال بعضهم : يقيمه عن يمين العرش.
وعن حذيفة أنه قال : يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وهم حفاة عراة قيام، لا يسمع منهم حس، فيقول الله تعالى : يا محمد، فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك، والمهتدى من هديت، تباركت وتعاليت، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، وأنا عبدك بين يديك. قال : فهذا هو المقام المحمود.
وعن بعضهم أن المقام المحمود : هو لواء الحمد الذي يعطى النبي ﷺ وقد ثبت عن النبي ﷺ، أنه قال :«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي »(٤). وقال :«إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة »(٥). وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :«لا أزال أشفع حتى يسلم إلي صكاك بأسماء قوم وجبت لهم النار، وحتى يقول مالك خازن النار : ما تركت للنار في أمتك من نقمة ». والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة.
١ - كذا..
٢ - رواه الترمذي (٥/٢٨٢ رقم ٣١٣٧) وحسنه، وأحمد (٢/٤٤١، ٥٢٨)، والطبري (١٥/٩٨)، والبيهقي في الدلائل (٥/٤٨٤). وفي الباب عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. انظر تخريج الكشاف للزيلعي (٢/٢٨٢-٢٨٥ رقم ٧٢١)..
٣ - رواه الترمذي (٥/٥٤٦ رقم ٣٦١٠)، وقال: حسن غريب، والبيهقي في الدلائل (٥/٤٨٤) من حديث أنس بنحوه. وعزاه في كنز العمال (١١/٤٣٥ رقم ٣٢٠٤٣) لابن النجار عن أم كرز، قريبا من هذا اللفظ..
٤ - تقدم في تفسير سورة البقرة..
٥ - رواه مسلم (٣/٩١-٩٢ رقم ١٩٩) والترمذي (٥/٥٤١-٥٤٢ رقم ٣٦٠٢)، وابن ماجة(٢/١٤٤٠ رقم ٤٣٠٧)، وأحمد (٢/٤٢٦)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى