غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وقوله :﴿كما زعمت﴾ إشارة إلى قوله سبحانه :﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء﴾ [سبأ: ٩] أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله :﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً﴾ [الإسراء: ٦٨] أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا. وقال عكرمة : كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا. وقيل : كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. قال في الكشاف : الكسف بسكون السين وفتحها جمع " كسفة " بالسكون كسدرة وسدر وسدر. وقال أبو علي : الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون. واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته. وقال الزجاج : من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل : أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين. ومعنى ﴿قبيلاً﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر. وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه تعالى لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم :﴿لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا﴾ [الفرقان: ٢١] وقال ابن عباس : أراد فوجاً بعد فوج. وقال الليث : كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله :﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾
[الأعراف: ٢٧].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وقالوا لن نؤمن لك﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات. ﴿أبعث الله بشراً رسولاً﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿مأواهم جهنم﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿زدناهم سعيراً﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿تسع آيات بينات﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق : والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك :﴿وبالحق أنزلناه﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله : واعتصموا بحبل الله جميعاً } { آل عمران : ١٠٣ ] { وبالحق نزل } التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿إن الذين أوتوا العلم من﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿إذا يتلى عليهم﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿يخرون للأذقان سجداً﴾ للإجابة يقولون " بلى " ﴿ويخرون للأذقان﴾ في عالم الصورة يبكون. فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد. ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال :﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ رياء وسمعة ﴿ولا تخافت بها﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله تعالى أعلم.
[الأعراف: ٢٧].