تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه، ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، بأنه من يهده فلا مضلّ له ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي : يهدونهم، كما قال :﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وقوله :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قال الإمام أحمد :
حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نُفَيْع قال(١) : سمعت أنس بن مالك يقول : قيل : يا رسول الله، كيف يحشر(٢) الناس على وجوههم ؟ قال :" الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ". وأخرجاه في الصحيحين(٣).
وقال الإمام أحمد أيضًا :[ حدثنا يزيد ](٤)، حدثنا الوليد بن جُمَيْع القرشي، عن أبيه، حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال : قام أبو ذر فقال : يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني : أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج : فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج(٥) يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار. فقال قائل منهم : هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون(٦) ؟ قال : يلقي الله، عز وجل، الآفة على(٧) الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها(٨).
وقوله :( عُمْيًا ) أي : لا يبصرون ( وَبُكْمًا ) يعني : لا ينطقون ( وَصُمًّا ) : لا يسمعون. وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًا عن الحق فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه ( مَأْوَاهُمْ ) أي : منقلبهم(٩) ومصيرهم ( جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ ) قال ابن عباس : سكنت(١٠). وقال مجاهد : طفئت ( زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) أي : لهبًا ووهجًا وجمرًا، كما قال :﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠].
١ في ت: "نفيع كذا قال"..
٢ في ف: "تحشر"..
٣ المسند (٣/١٦٧) وصحيح البخاري برقم (٤٧٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٦)..
٤ زيادة من ت، ف، أ، والمسند..
٥ في ف: "وقوم"..
٦ في ت: "ويسقون"..
٧ في ت: "الأئمة هل"، وفي ف: "الأئمة على"..
٨ المسند (٥/١٦٤).
.

٩ في أ: "مقبلهم"..
١٠ في ت: "ستكتب"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى