تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال :﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي : على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال : إن هذا [ يكون ](١) إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل، ويقول : نفسي، نفسي، نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، وحتى أن عيسى ليقول : لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك [ اليوم ] (٢) مريم التي ولدتني.
قال مجاهد، وكعب الأحبار، والحسن البصري :﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي : على الركب. وقال عِكْرِمة :﴿جاثية﴾ متميزة على ناحيتها، (٣) وليس على الركب. والأول أولى.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عبد الله بن باباه(٤)، أن رسول الله [ ﷺ ] (٥) قال :" كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " (٦).
وقال إسماعيل بن رافع المديني(٧)، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعا في حديث الصورة(٨) : فيتميز الناس وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله :﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ (٩).
وهذا فيه جمع بين القولين : ولا منافاة، والله أعلم.
وقوله :﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ يعني : كتاب أعمالها، كقوله :﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] ؛ ولهذا قال :﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي : تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى :﴿يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ. بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥].
١ - (١) زيادة من أ..
٢ - (٢) زيادة من أ..
٣ - (٣) في أ: "ناصيتها"..
٤ - (٤) في ت: "وقال ابن أبي حاتم بإسناده"..
٥ - (٥) زيادة من ت..
٦ - (٦) ورواه أبو نعيم في زوائد زهد ابن المبارك برقم (٣٦٠) وأبو نعيم في الحلية (٧/٢٩٩) من طريق سفيان بن عيينة به..
٧ - (٧) في أ: "المدني"..
٨ - (٨) في ت، م، أ: "الصور"..
٩ - (٩) انظر تفسير حديث الصور عند الآية: ٧٣ من سورة الأنعام..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى