اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وثانيها : قوله :﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية » حال(١) قال الليث : الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب كالجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ(٢)، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ(٣). وقيل : مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال ( الشاعر )(٤) ( رحمه(٥) الله ) :
٤٤٤٦ تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَاصَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ(٦)
قال ابن عباس ( رضي الله عنهما )(٧) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها(٨). قال الزمخشري وقرئ : جاذية(٩) بالذال المعجمة قال : والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي(١٠).
قوله :«كُلُّ أمة » العامة على الرفع بالابتداء، و«تُدْعَى » خبرها. ويعقوب بالنصب(١١) على البدل من «كُلَّ أمَّة » الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها.
قوله : إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك :﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾. قال سلمان الفارسي : إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أسألك إلا نفسي.
قوله :«الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ » هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير : يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ » معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ » هو المفعول الثاني(١٢).
فإن قيل : الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة !
فالجواب : أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة ( إلى )(١٣) أن يظهر كونه محقاً.
فإن قيل : كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى ؟
فالجواب : لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه.
١ الدر المصون السابق أيضا..
٢ انظر غريب القرآن ٤٠٥ والمجاز ٢٠/٢١٠ واللسان (جثا) ٥٤٦ والبحر ٨/٥٠ والقرطبي ١٦/١٧٤..
٣ والمستوفز هو الذي رفع أليتيه ووضع ركبته. وانظر اللسان المرجع السابق..
٤ لفظ الشاعر زائد من ب..
٥ الجملة الدعائية تلك زائدة من أ فقط..
٦ من بحر الطويل لطرفة الشاعر الشعير يصف قبرين لغني وفقير، وهما سواء في هذين القبرين فلا يضر الفقير فقره ولا ينفع الغني غناه والشاهد: جثوتين مثنى جثوة بتثليث الفاء ضما وكسرا وفتحا وهي الحجارة. وروي في اللسان مصمد وهي قافية بيت آخر في نفس القصيدة، وانظر اللسان جثا ٥٤٦ والبحر المحيط ٨/٥٠ والسبع الطوال لابن الأنباري ٢٠٠ والقرطبي ١٦/١٧٤..
٧ زيادة من أ..
٨ البحر ٨/٥٠..
٩ ولم تنسب إلى من قرأ بها. وانظر البحر ٨/٥٠ والإبدال لابن السكيت ١٠٨ وأمالي القالي ٢/١٢٠ وهي شاذة..
١٠ الكشاف ٣/٥١٣..
١١ وهي قراءة الأعرج أيضا المحتسب ٢/٢٦٢ ومختصر ابن خالويه ١٣٨..
١٢ الكشاف ٣/٥١٣ والدر المصون ٤/٨٤١..
١٣ سقط من ب وانظر الرازي ٢٧/٢٧٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى