فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿وأن لو استقاموا على الطريقة﴾ قرأ الجمهور بكسر الواو من " لو " لالتقاء الساكنين وقرئ بضمها تشبيها بواو الضمير، وهذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على أنه استمع نفر من الجن، والمعنى وأوحي إلى أن الشأن لو استقام الجن والإنس، أو كلاهما على الطريقة وهي طريقة الإسلام.
وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح " أن " ههنا. قال ابن الأنباري والفتح ههنا على إضمار يمين تأويلها، والله أن لو استقاموا على الطريقة كما يقال في الكلام : ولله لو قمت قمت، قال أو على ( أوحي إليّ أنه استمع ) ( وأن لو استقاموا } أو على ( آمنا به ) أي آمنا به وبأن لو استقاموا، وعلى هذا يكون جميع ما تقدم معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه، قال ابن عباس : لو أقاموا على ما أمروا به.
﴿لأسقيناهم ماء غدقا﴾ وليس المراد خصوص السقيا بل المراد لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق، وقال ابن عباس : معينا، وقال مقاتل : ماء كثيرا من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين، وقال ابن قتيبة : المعنى لو آمنوا جميعا لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله بالمطر، وهذا كقوله :
﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ الآية وقوله ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وقوله ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين﴾ الآية.
وقيل المعنى وأن استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم يكفر. وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا الزجاج، والماء الغدق هو الكثير في لغة العرب، قرأ العامة غدقا بفتحتين وقرئ بفتح الغين وكسر الدال، وهما لغتان في الماء الغزير، ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو، والكثير النطق ويقال غدقت عينه تغدق أي هطل دمعها، وفي المصباح غدقت العين غدقا من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وأغدقت إغداقا كذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى