اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
يجوز الفتحُ، أي : أوحى الله إليه أنه، ويجوز الكسر على الاستئناف، و «عَبْدُ اللَّهِ » هو محمد ﷺ حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن حسب ما تقدم أول السورة. «يَدعُوهُ »، أي : يعبده.
وقال ابن جريج :«يَدْعوهُ »، أي : قام إليهم داعياً إلى الله تعالى، فهو في موضع الحالِ، أي : يوحد الله.
﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾.
قال الزُّبيرُ بن العوام : هم الجنُّ حين استمعوا القرآن من النبي ﷺ أي : كاد يركب بعضهم بعضاً ازدحاماً عليه ويسقطون حرصاً على سماع القرآنِ العظيم(١).
وقيل : كادوا يركبونه حرصاً، قاله الضحاكُ(٢).
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : رغبة في سماع القرآن(٣).
يروى عن مكحول : أن الجنَّ بايعوا رسول الله ﷺ في هذه الليلة، وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند الفجر(٤).
وعن ابن عباس أيضاً : أن هذا من قول الجنِّ لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي ﷺ وائتمامهم به في الركوع والسجود(٥).
وقيل : كاد الجنُّ يركب بعضهم بعضاً حرصاً على النبي ﷺ.
وقال الحسن وقتادة وابن زيد :«لمَّا قَامَ عبدُ اللَّهِ » محمد بالدعوة تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى اللَّهُ تعالى إلاَّ أن ينصره ويتم نوره(٦)، واختار الطبريُّ أن يكون المعنى كادت العربُ يجتمعون على النبي ﷺ ويتظاهرون على إطفاء النورِ الذي جاء به.
قال مجاهد : اللِّبَد : الجماعات(٧).
قوله «لِبَداً » : قرأ هشام(٨) : بضم اللام، والباقون : بكسرها.
فالأولى : جمع «لُبْدَة » - بضم اللام - نحو «غُرفَة وغُرَف ».
وقيل : بل هو اسم مفرد صفة من الصفات نحو «حطم » وعليه قوله تعالى ﴿مَالاً لُّبَداً﴾[البلد: ٦].
وأما الثانية : فجمع «لِبْدة » - بالكسر - نحو «قربة وقِرَب ».
واللبدة : الشيء المتلبد، أي : المتراكب بعضه على بعض، ومنه قولهم «لبدة الأسد ». كقول زهير :[ الطويل ]
٤٩١٢ - لَدَى أسَدٍ شَاكٍ السِّلاحِ مُقذَّفٍلَهُ لِبَدٌ أظفَارُهُ لم تُقلَّمِ(٩)
ومنه : اللبد ؛ لتلبُّد بعضه فوق بعض، ولبد : اسم نسر لقمان بن عاد، عاش مائتي سنةٍ، حتى قالوا : أطال اللَّهُ الأمد على لبد.
والمعنى : كادت الجنُّ يكونون عليه جماعات متراكمة متزاحمين عليه كاللبد.
وقرأ الحسن(١٠) والجحدريُّ :«لُبُداً » - بضمتين - ورواها جماعة عن أبي عمرو.
وهي تحتمل وجهين :
أحدهما : أنه جمع «لَبْد » نحو «رَهْن » جمع «رُهُن ».
والثاني : أنه جمع «لَبُود » نحو «صَبُور، وصُبُر » وهو بناء مبالغة أيضاً.
وقرأ ابن محيصن(١١) : بضمة وسكون، فيجوز أن تكون هذه مخففة من القراءة التي قبلها ويجوز أن يكون وصفاً برأسه.
وقرأ الحسن(١٢) والجحدريُّ أيضاً :«لُبَّداً » - بضم اللام وتشديد الباء، وهي غريبة جداً.
وقيل : وهو جمع «لابد » ك «ساجد وسُجَّد، وراكع ورُكَّع ».
وقرأ أبو رجاء(١٣) : بكسر اللام، وكسر الباء، وهي غريبة أيضاً.
وقيل : اللُّبَد - بضم اللام وفتح الباء - : الشيء الدائم، واللبد أيضاً : الذي لا يسافر ولا يبرح ؛ قال الشاعر :[ البسيط ]
٤٩١٣ - من امرئ ذِي سماحٍ لا تزَالُ لَهُبَزْلاءُ يَعْيَا بِهَا الجثَّامةُ اللُّبَدُ(١٤)
ويروى : اللَّبد، قال أبو عبيد : وهو أشبه، ويقال : ألبدت القربة جعلتها في لبيد.
ولبيد : اسم شاعر من بني عامر.
١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٧) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن الزبير..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٢)..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٦)..
٤ ينظر المصدر السابق..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٢) والترمذي (٣٣٢٣) والحاكم (٢/٥٠٤) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٧) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن مردويه والضياء "المختارة"..

٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٢-٢٧٣) عن قتادة وابن زيد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٧) عن قتادة وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٣)..
٨ ينظر: السبعة ٦٥٧، والحجة ٦/٣٣٣، وإعراب القراءات ٢/٤٠٢، وحجة القراءات ٧٢٩..
٩ تقدم..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٨٤، والبحر المحيط ٨/٣٤٦، والدر المصون ٦/٣٩٦..
١١ ينظر السابق..
١٢ ينظر السابق..
١٣ ينظر السابق..
١٤ ينظر: القرطبي ١٩/١٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى