البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
اللبد، جمع لبدة : وهو تراكم بعضه فوق بعض، ومنه لبدة الأسد. ويقال للجراد الكثير المتراكم : لبد، ومنه اللبد الذي يفرش، يلبد صوفه : دخل بعضه في بعض.
وقرأ الجمهور :﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ بفتح الهمزة، عطفاً على قراءتهم ﴿وأن المساجد﴾ بالفتح.
وقرأ ابن هرمز وطلحة ونافع وأبو بكر.
بكسرها على الاستئناف ؛ وعبد الله هو محمد رسول الله ﷺ، ﴿يدعوه﴾ : أي يدعو الله ﴿كادوا﴾ : أي كاد الجن، قال ابن عباس والضحاك : ينقضون عليه لاستماع القرآن.
وقال الحسن وقتادة : الضمير في ﴿كادوا﴾ لكفار قريش والعرب في اجتماعهم على رد أمره.
وقال ابن جبير : المعنى أنها قول الجن لقومهم يحكمون، والضمير في ﴿كادوا﴾ لأصحابه الذين يطوعون له ويقيدون به في الصلاة.
قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل رسول الله أو النبي ؟ قلت : لأن تقديره وأوحي إليّ أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعاً في كلام رسول الله ﷺ عن نفسه، جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل ؛ أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله لله ليست بأمر مستعبد عن العقل ولا مستنكر حتى يكونوا عليه لبداً.
ومعنى قام يدعوه : قام يعبده، يريد قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن، فاستمعوا لقراءته عليه السلام.
﴿كادوا يكونون عليه لبداً﴾ : أي يزدحمون عليه متراكمين، تعجباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً وساجداً، وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره.
انتهى، وهو قول متقدم كثره الزمخشري بخطابته.
وقرأ الجمهور :﴿لبداً﴾ بكسر اللام وفتح الباء جمع لبدة، نحو : كسرة وكسر، وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد مناف بن ربيع :
صافوا بستة أبيات وأربعةحتى كأن عليهم جانباً لبداً
وقال ابن عباس : أعواناً.
وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر : بخلاف عنه بضم اللام جمع لبدة، كزبرة وزبر ؛ وعن ابن محيصن أيضاً : تسكين الباء وضم اللام لبداً.
وقرأ الحسن والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو : بضمتين جمع لبد، كرهن ورهن، أو جمع لبود، كصبور وصبر.
وقرأ الحسن والجحدري : بخلاف عنهما، لبداً بضم اللام وشد الباء المفتوحة.
قال الحسن وقتادة وابن زيد : لما قام الرسول للدعوة، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره.
انتهى.
وأبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام، كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه الله منهم، قاله الحسن.
وأبعد منه قول من قال إنه عبد الله بن سلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى