زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
ثم رجع إلى ذكر الجن فقال تعالى :﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿يدعوه﴾ أي يعبده. وكان يصلي ببطن نخلة على ما سبق بيانه في [الأحقاف: ٢٩] ﴿كادوا يكونون عليه لبدا﴾ قرأ الأكثرون :" لبدا " بكسر اللام، وفتح الباء مع تخفيفها. قال الفراء : ومعنى القراءتين واحد. يقال لِبدة، ولُبدة. قال الزجاج : والمعنى : كاد يركب بعضهم بعضا. ومنه اشتقاق اللبد الذي يفترش. وكل شيء أضفته إلى شيء فقد لبّدته. وقرأ قوم منهم الحسن، والجحدري :" لُبّدا " بضم اللام مع تشديد الباء. قال الفراء : فعلى هذه القراءة يكون صفة للرجال، كقولك ركعا وركوعا، وسجدا وسجودا. قال الزجاج : هو جمع لابد، مثل راكع، وركّع. وفي معنى الآية ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه إخبار الله تعالى عن الجن يحكي حالهم. والمعنى : أنه لما قام يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضا، حرصا على سماع القرآن، رواه عطية عن ابن عباس.
والثاني : أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم، فوصفوا لهم طاعة أصحاب محمد رسول الله ﷺ وائتمامهم به في الركوع، والسجود، فكأنهم قالوا : لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبدا، وهذا المعنى في رواية ابن جبير، عن ابن عباس.
والثالث : أن المعنى لما قام رسول الله ﷺ بالدعوة تلبّدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه، ليبطلوا الحق الذي جاء به، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى