الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿إِلاَّ بَلاَغاً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه استثناءٌ منقطعٌ. أي : لكنْ إنْ بَلَّغْتُ عن اللَّهِ رَحِمني ؛ لأنَّ البلاغَ من الله لا يكونُ داخلاً تحت قولِه :﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾، لأنه لا يكونُ مِنْ دونِ اللَّهِ، بل يكونُ من اللَّهِ وبإعانتِه وتوفيقِه. الثاني : أنه متصلٌ. وتأويلُه : أنَّ الإِجارةَ مستعارةٌ للبلاغِ، إذ هو سببُها، وسببُ رحمتِه تعالى، والمعنى : لن أجِدَ سبباً أميلُ إليه وأعتصمُ به، إلاَّ أَنْ أُبَلِّغَ وأُطيعَ، فيُجيرَني. وإذا كان متصلاً جاز نصبُه من وجهين، أحدهما : وهو الأرجح أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ " مُلْتحداً " ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ. والثاني : أنه منصوبٌ على الاستثناءِ، وإلى البدليةِ ذهب أبو إسحاق. الثالث : أنه مستثنى مِنْ قولِه :﴿لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾ قال قتادة : أي لا أَمْلِكُ لكم إلاَّ بلاغاً إليكم.
وقرَّره الزمخشريُّ فقال :" أي : لا أَمْلِكُ إلاَّ بلاغاً من اللَّهِ، و ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي﴾ جملةٌ معترضةٌ اعترضَ بها لتأكيدِ نَفْيِ الاستطاعة ". قال الشيخ :" وفيه بُعْدٌ لطولِ الفَصْلِ بينهما ". قلت : وأين الطولُ وقد وقع الفَصْلُ بأكثرَ مِنْ هذا ؟ وعلى هذا فالاستثناءُ منقطعٌ. الرابع : أنَّ الكلامَ ليس استثناءً بل شرطاً. والأصل : إنْ لا فأدغم ف " إنْ " شرطيةٌ، وفعلُها محذوفٌ لدلالةِ مصدرِه والكلامِ الأولِ عليه، و " لا " نافيةٌ والتقدير : إن لا أُبَلِّغْ بلاغاً من اللَّهِ فلن يُجيرَني منه أحدٌ. وجَعَلوا هذا كقولِ الشاعر :
فطَلِّقْها فَلَسْتَ لها بكُفْءٍوإلاَّ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
أي : وإنْ لا تُطَلِّقْها يَعْلُ، حَذَفَ الشرطَ وأبقى الجوابَ. وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ من وجهَيْن، أحدهما : أنَّ حَذْفَ الشرطِ دونَ أداتِه قليلٌ جداً. والثاني : أنَّه حُذِفَ الجزآن معاً أعني الشرطَ والجزاءَ، فيكونُ كقولِه :
قالَتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ *** كان فقيراً مُعْدَماً قالت : وإِنْ
أي : قالَتْ : وإنْ كان فقيراً فقد رَضِيْتُه. وقد يُقال : إنَّ الجوابَ إمَّا مذكورٌ عند من يرى جوازَ تقديمِه، وإمَّا في قوةِ المنطوق به لدلالةِ ما قبلَه عليه.
قوله :﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان، أحدهما : أنَّ " مِنْ " بمعنى عَنْ ؛ لأنَّ بَلِّغ يتعدَّى بها، ومنه قولُه عليه السلام :" ألا بَلِّغوا عني " والثاني : أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل " بلاغ ". قال الزمخشري :" مِن " ليسَتْ صلةً للتبليغ، إنما هي بمنزلةِ " مِنْ " في قوله :﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١] بمعنى : بلاغاً كائناً من الله ".
قوله :﴿وَرِسَالاَتِهِ﴾ فيه وجهان، أحدُهما : أنها منصوبةٌ نَسَقاً على " بلاغاً " كأنه قيل : لا أَمْلِكُ لكم إلاَّ التبليغَ والرسالاتِ، ولم يَقُلِ الزمخشريُّ غيرَه. والثاني : أنها مجرورةٌ نَسَقاً على الجلالةِ أي : إلاَّ بلاغاً/ عن اللَّهِ وعن رسالاتِه، كذا قَدَّره الشيخُ.
وجَعَلَه هو الظاهرَ. وتجوَّز في جَعْلِه " مِنْ " بمعنى عن، والتجوُّزُ في الحروفِ رأيٌ كوفيٌّ، ومع ذلك فغيرُ منقاسٍ عندَهم.
قوله :﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ﴾ العامَّة على كسرِها، جَعَلوها جملةً مستقلة بعد فاءِ الجزاءِ. وقرأ طلحةُ بفَتْحِها، على أنَّها مع ما في حَيِّزِها في تأويلِ مصدرٍ واقعٍ خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه : فجزاؤهُ أنَّ له نارَ جهنمَ، أو فحُكْمُه : أنَّ له نارَ جهنَم. قال ابن خالويه :" سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يقول : لم يَقْرَأْ به أحدٌ، وهو لحنٌ ؛ لأنه بعد فاءِ الشرط ". قال :" وسمعتُ ابنَ الأنباريِّ يقول : هو صوابٌ ومعناه، فجزاؤُه أنَّ له نارَ جهنم ". قلت : ابنُ مجاهدٍ وإنْ كان إماماً في القراءاتِ، إلاَّ أنَّه خَفِيَ عليه وجهُها، وهو عجيبٌ جداً. كيف غَفَلَ عن قراءتَيْ ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ في الأنعام [ الآية : ٥٤ ]، لا جرم أنَّ ابنَ الأنباريِّ اسْتَصْوَبَ القراءةَ لِطُولِ باعِه في العربية.
قوله :﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من الهاء في " له "، والعاملُ الاستقرارُ الذي تَعَلَّقَ به هذا الجارُّ، وحَمَلَ على معنى " مَنْ " فلذلك جَمَعَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى