التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - :﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ...﴾ استثناء من مفعول ﴿لاَ أَمْلِكُ﴾، وهما قوله قبل ذلك :﴿لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾ وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة. أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى أملكه هو تبليغ رسالات ربى إليكم، بأمانة واجتهاد.
والبلاغ : مصدر بلَّغ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول، مثل : " هذا خلق الله "، و " من " ابتدائية صفة لقوله : " بلاغا " أى : بلاغا كائنا من جهة الله - تعالى - وأمره. والرسالات : جمع رسالة، وهى ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب. والمراد بها هنا : تبليغ ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه للناس.
قال الآلوسى ما ملخصه وقوله :﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله...﴾ استثناء من مفعول لا أملك.. وما بينهما اعتراض.. فإن كان المعنى : لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم، كان استثناء متصلا، كأنه قيل : لا أملك شيئا إلا بلاغا، وإن كان المعنى : لا أملك أن أقسركم على الغى والرشد، كان منقطعا، أو من باب : لا عيب فيهم غير أن سيوفنا.. أى : أنه من أسلوب تأكيد الشئ بما يشبه ضده، وقوله ﴿وَرِسَالاَتِهِ﴾ عطف على قوله ﴿بَلاَغاً﴾ وقوله :﴿مِّنَ الله﴾ متعلق بمحذوف وقع صفه له. أى : بلاغا كائنا من الله..
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال :﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمرا به، أو نهيا عنه.
﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ أى : لهذا العاصى ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أى : فحكمه أن له نار جهنم، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى " من "، كما أن الإِفراد فى قوله ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ باعتبار لفظها.
وقوله : " أبدا " مؤكد لمعنى الخلود. أى : خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية له.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى