تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان على المنبر يخطب، وقد كان أصاب أهل المدينة غلاء ومجاعة، فقدمت عير تحمل الطعام ويقال : كانت لدحية بن خليفة الكلبي فنزلوا عند أحجار الزيت، وضربوا بالطبل ليعلم الناس، فسمع المسلمون ذلك في المسجد فذهبوا إليها، وبقي النبي صلى الله عليه و سلم مع اثني عشر نفرا فيهم أبو بكر وعمر. وأورد البخاري خبرا في هذا، وأورد هذا العدد(١). وقيل : في [ ثمانية ](٢) رجال، والأول أصح، فانزل الله تعالى هذه الآية.
والتجارة معلومة، وهي التجارة في الطعام وتحصيلها، واللهو هو الطبل، قاله مجاهد. ويقال : هو المزامير، وكان الأنصار يستعملون ذلك إذا زفوا امرأة إلى زوجها، وذلك مثل الدف والطبل وما يشبهه، فعلى هذا القول سمع المسلمون صوتها في السوق وكانوا يزفون امرأة فذهبوا إليها، والأول هو المشهور، وهو الثابت.
وقوله :( وتركوك قائما ) لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب قائما، وأول من خطب قاعدا معاوية وتبعه على ذلك مروان. والسنة ما بينا. فإن قال قائل : كيف قال :( انفضوا إليها ) وقد تقدم سببان ؛ التجارة واللهو، ولم يقل :" انفضوا إليهما " ؟ والجواب أن معناه : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فاكتفى بأحدهما عن الآخر. وقد ذكرنا من قبل أن العرب قد تذكر شيئين وترد الكناية إلى أحدهما، والمراد كلاهما، قال الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بماعندك راض والرأي مختلف
ويقال : في الآية تقديم وتأخير ومعناه : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا والانفضاض هو الذهاب بسرعة.
وقوله :( قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ) أي : ذكر الله تعالى والاشتغال في الصلاة خير من اللهو والتجارة، وقوله :( والله خير الرازقين ) قال الزجاج معناه : أنه يرزقكم ولا يمسكه عنكم فلا تشتغلوا بطلبه عن الصلاة وعن ذكر الله. ويقال : الرزق مسجلة للبر والفاجر. وروى الحسين البصري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال حين نفر الناس إلى العير وبقي في اثني عشر رجلا :" لو لحق آخرهم أولهم لاضطرم الوادي عليهم نارا " (٣).
وقد وردت أخبار كثيرة في فضل الجمعة وثوابها منها : ما روى سعيد بن المسيب، عن جابر، عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" يا أيها الناس توبوا إلى ربكم من قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له والصدقة في السر والعلانية تنصروا وتجبروا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها، ألا فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا لا. . . " (٤).
وروى مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا [ شرع ](٥) الإمام طويت الصحف، وحضرت الملائكة يستمعون الذكر " (٦). قال رضي الله عنه : أخبرنا بذلك أبو الحسين(٧) بن النقور، أخبرنا أبو طاهر المخلص(٨) أخبرنا يحيى بن محمد بن صاعد، أخبرنا أبو مصعب عن مالك الخبر.
وورد أيضا برواية عمران بن الحصين، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من اغتسل يوم الجمعة غسلت ذنوبه وخطاياه، فإذا راح كتب الله بكل قدم عمل عشرين سنة، فإذا قضيت الصلاة أجيز بعمل مائتي سنة " (٩) والخبر غريب جدا.
والخبر الثالث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من اغتسل يوم الجمعة من الجنابة، ولبس من صالح ثيابه، ومس من طيب بيته، ولم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين الجمعة
الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ". ذكره البخاري في كتابه(١٠).
وورد أيضا في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر طبع الله على قلبه " (١١). والله أعلم.
١ - متفق عليه من حديث جابر، رواه البخاري ( ٢ /٤٩٠ رقم ٩٣٦ و أطرافه : ٢٠٥٨ – ٢٠٦٤-٤٨٩٩)، و مسلم ( ٦/٢١٥ -٢١٦ رقم ٨٦٣)..
٢ - في (الاصل، ك)) : ثمان، و المثبت هو الصواب..
٣ - رواه عبد الحميد كما فب الدر ( ٦ /٢٤٤ )، و أوردله شاهدا عن ابن عباس، و عزاه لابن مردوية في تفسيره..
٤ - رواه ابن ماجة ( ١ /٣٤٣ رقم ١٠٨١)، و أب يعلى( ٣ /٣٨١ -٣٨٢ رقم ١٨٥٦)، و ابن عدي (٤ /١٨١ )، و العقيلي ( ٢ /٢٩٨ )، ابن حبان في المجروحين (٢ /٣٠٥ -٣٠٦)، والبيهقي (٣/٩٠-١٧١) و ضعفه و الخطيب ( ٣ /٢٦٦-٢٦٧ ) عن جابر به. وقال أبوحاتم (العلل ٢ /١٢٨-١٢٩): هو حديث منكر. و في الباب عن أبي هريرة، وأبي سعيد و طلحة بن عبد الله. و انظر : علل لالدارقطني ( ٩ /١٢٩) وقد ذكر من حديث جابر و أبي هريرة : و قال : كلاهما غير ث ثابت. و ابن عدي ( ٣/٤٤)، و مسند عمربن عبد العزيز للباغندى (رقم ٧٧ ) و الهيثمي في المجمع ( ٢ /١٧٢ )، و غيرهم..
٥ - ((في الاصل، ك )): شرح.
٦ - متفق عليه، رواه البخاري ( ٢ /٤٥٢- ٤٢٦ رقم ٨٨١)، و مسلم ( ٦ /١٩٣ رقم ٨٥٠).
٧ - في ((ك)) : الحسن، خطأ. و هو أبو الحسين أحمد بن عبد الله بن منقور البغدادي. تاريخ بغداد ( ٤ /٣٨١ – ٣٨٢ )، و السير ( ١٨ /٣٧٢-٣٧٤ ) و غيرهما..
٨ -في ((الاصل)) : أبو طاهر بن المخلص، هوأبو طاهر محمد بن عبد الرحمان بن العباس البغدادي الذهبي، مخلص الذهب من الغش، فالمخلص لقب له لا لأبيه كما في ترجمة من تاريخ بغدادا( ٢/٣٢٢-٣٢٣) و السير ( ١٦ /٤٧٨-٤٨٠).
.

٩ - رواه أبو بكر المروزى في مسند أبي بكر الصديق ٥ رقم ١٣١ ) والطبراني في الكبير ( ١٨ / ١٣٩ -١٤٠ رقم ٢٩٢ )، و في الاوسط ( ٢ /٢١١ رقم ٩٦٥ مجمع البحرين )، العقيلى ( ٢ /٢٢٠ )، و ابن عدي ( ٤ /٩٩ )، و ابن الجوزى في العلل ( ١ /٤٦٠ -٤٦١ رقم ٧٨٧). وقال الهيثمي في المجمع ( ٢ /١٧٧ ) : رواه الطبراني في الكبير و الاوسط، و فيه الضحاك بن حمزة ضعفه لبن حمزة ضعفه لبن معين و النسائي و ذكره و ابن حبان في الثقات. و ذكره الدارقطنى في العلل ( ١/٢٦٠ -٢٦١ رقم ٥٣) و قال : و الحدبث غير ثابت..
١٠ - رواه البخاري ( ٢ /٤٣٠ -٤٣١ رقم ٨٨٣ و طرفه ٩١٠)، و النسلئي ( ٣ /١٠٤ رقم ١٤٠٣)، و أحمد ( ٥ /٤٣٨ -٤٤٠ )، و الدارمى( ١ /٤٣٥ رقم ١٥٤١)، و ابن حبان في صحيحه( ٧ /١٤ رقم ٢٧٧٦).
١١ - رواه أبو داود( ١ /٢٧٧ رقم ١٠٥٢)، و الترمذى ( ٢ /٣٧٣ ررقم ٥٠٠) و حسنه و و النسائي( ٣ /٨٨ رقم ١٣٦٩)، و ابن ماجة ( ١ /٣٥٧ رقم ١١٢٥)، و أحمد ( ٣ /٢٤٢)، و الدارمى (١ /٤٤٤ رقم ١٥٧١)، و ابن خزيمة (٣/١٧٥- ١٧٦ رقم ١٨٥٧ – ١٨٥٨)، و لبن حبان ( ٧ /٢٦ رقم ٢٧٨٧)، و الحاكم ( ١ /٢٨٠) و صححه على شرط مسلم و البيهقي ( ٣ /١٧٢، ٢٤٧) عن أبي الجعد الضمري..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى