التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإرشاد والتأنيب، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى - :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ..﴾.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة، التى قدمت المدينة يومئذ، فقال :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً..﴾.
فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال : قدمت عِيرٌ - أى : تجارة - المدينة، ورسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس، وبقى اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية.
وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال : " بينما النبى - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها الناس، حتى لم يبق مع الرسول - ﷺ - إلا اثنا عشر رجلا، فقال - ﷺ - : " والذى نفسى بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادى نارا " ونزلت هذه الآية.. "
وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر.
وفى رواية أن الرسول - ﷺ - كان يخطب، فقدم دحية الكلى بتجارة له. فتلقاه أهله بالدفوف. فخرج الناس.
و " إذا " فى قوله - تعالى - :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً..﴾ ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - ﷺ - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله :﴿انفضوا﴾ من الانفضاض، بمعنى التفرق. يقال : انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه، وهو من الفض، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه.
والضمير فى قوله ﴿إِلَيْهَا﴾ يعود للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، والمراد باللهو هنا : فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار.
والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو.
قال الجمل فى حاشيته : والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - ﷺ - يخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - ﷺ - فى أول الإسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة، ونزلت الآية، قدم الخطبة وأخر الصلاة.
وقوله - سبحانه - :﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ جملة حالية من فاعل ﴿انفضوا﴾ والمقصود بها توبيخ على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله - ﷺ - واقفا يخطب على المبنر، وانصرفوا إلى التجارة واللهو.
وقوله - سبحانه - :﴿قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين﴾ إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم.
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب... قل لهم : ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى، والمنافع العاجلة.
والله - تعالى - هو خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق، وهو الذى يعطى ويمنع، كما قال - سبحانه - :﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها، وترك الرسول - ﷺ - قائما يخطب على المنبر، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه.
وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١ - فضل يوم الجمعة، وفضل صلاة يوم الجمعة، والتحذير من ترك أدائها.
ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هرير، أن رسول الله - ﷺ - قال : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمع، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة ".
وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - ﷺ - يقول : " نحن الآخرون - أى : زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم -، بيد أنهم - أى : اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى : تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع : اليهود غدا - أى : السبت - والنصارى بعد غد - أى : الأحد - ".
وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - ﷺ - يقول على أعواد مبره : " لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى : تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين.
. ".
قال القربطى ما ملخصه : وإنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة... وكان يقال ليوم الجمعة : العَرُوبة..
قال البيهقى : وروينا عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهرى، أن مصعب بن عمير، كان أول من جمَّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين، قبل أن يهاجر إليها الرسول - ﷺ -.
ثم قال القرطبى : وأما أول جمعة جمعها - ﷺ - بأصحابه، قال أهل السير والتاريخ : قدم رسول الله - ﷺ - مهاجرا حتى نزل بقباء، على بنى عمروا بن عوف، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فى بطن وادٍ لهم، فجمع بهم وخطب، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها : الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه...
٢ - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها، وبالغسل لها، وبمس الطب، وبالحضور إليها على أحسن حالة...
ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى : كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد، فكأنما قرب بدنة - أى : ناقة ضخمة.... ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ".
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال : سمعت النبى - ﷺ - يقول : " إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد ".
وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - ﷺ - أنه قال : " على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كل طيب مس منه... ".
٣ - أخذ العلماء من قوله - تعالى - :﴿... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع...﴾ أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى لأدائها واجب، وأن ترك ذلك محرم شرعا.
..
ومن المعروف بين العلمءا أن الأمر يقتضى الوجوب، ما لم يوجد له صارف، ولا صارف له هنا...
قال الإمام القرطبى : فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم، ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة.
وجمهور الأمة الأئمة أنها فرض على الأعيان، لقوله - تعالى - :﴿... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع...﴾.
وثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال : " لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين ".
وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها..
قال بعض العلماء : جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة، فالدلالة ظاهرة، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا، حتى يكون ذلك الشىء واجبا.
وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة، وقد أمر بالسعى إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب..
كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم، لأن الأمر للوجوب، وقال بعضهم : هو مكروه كراهة تحريم.
ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى إليها واجب، وأن الاشتغال عنها بالبيع أبو الشراء محرم، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها، ومن التحذير من تركها، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى الجعد، أن رسول الله - ﷺ - قال : " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه ".
٤ - قوله - تعالى - :﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض..﴾ يدل دلالة واضحة، على سمو شريعة الإسلام، وعلى سماحتها ويسرها، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة.
ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان إذا انتهت الصلاة، خرج من المسجد، ودار فى السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى.
قال الإمام ابن كثير : كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة، انصرف فوقف على باب المسجد وقال : اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين.
هذا، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى