الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي
عن الكتاب
وقوله سبحانه :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً﴾ الآية، نزلتْ بسبب أن رسولَ اللَّه ﷺ كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد : وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلكَ وسماعِه ؛ وتركُوا رسولَ اللَّه ﷺ قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، قال جابر بن عبد اللَّه : أنا أحَدُهُم، قال ( ع ) : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي رحمه اللَّه يقولُ : همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل : عمارُ بن ياسر، وقيل : ابن مسعودٍ، ( ت ) : وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير : والاثْنَا عَشَر الباقون همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ : بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فَقِيل : عمار بن ياسرِ، وقيل : ابن مسعود، انتهى. قال السهيلي : وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه أنَّ : رسول اللَّه ﷺ لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ ؛ حتى العشرةِ، وقَال : وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ : عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ » ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال : إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا رضي اللَّه عنهم أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعدَ ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مُرْسَلاً فالظن الجميلُ بأصْحَابِ النبي ﷺ يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم ؛ انتهى. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَال :" لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ "، وفي حديثٍ آخر :" والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً "، قَالَ البخاريُّ :﴿انفضوا﴾ معناه تَفَرَّقُوا، انتهى. وقرأ ابن مسعود :«وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا، وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » وإنما أعاد الضميرَ في قوله :﴿إِلَيْهَا﴾ على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، ( ص ) : وقرئ ( إلَيْهِمَا ) بالتثنيةِ.